فإذا اتجه المخلوق لغير الخالق، وتعلق به انحرفت فطرته، كما في حديث عياض بن حمار – رضي الله عنه  – وفيه: (... وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) وهذه عبادة الشيطان كما جاء في قولـه تعالى على لسان إبراهيم – عليه السلام – : {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} (44) سورة مريم .

    والمعنى «أي لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به» (1) ، ولهذا يقول تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (60) سورة يــس

    وإبليس قد تعهد بتغيير الفطرة بالكفر، كما بين تعالى ذلك في قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيد ً* لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا(119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} (120) سورة النساء (2) .

    فلم يكتف بتغيير الفطرة إلى الشرك والكفر، بل تعهد بتغيير الخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة (3) . وسيأتي الكلامإن شاء الله – حول مكايد الشيطان لإيقاع البشر في الكفر والشرك.

    2- البدع:

    البدعة في اللغة من بَدَع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه.. والبْدعُ الشيء الذي يكون أولاً... (4) .

    وهي تطلق على معنيين:

    الأول: الأمر المخترع على غير مثال سابق.

    الثاني: التعب والنصب، يقال أبدعت الإبل إذا بركت في الطريق من التعب والكلال (5) .

    وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (6) .

    وأما تعريفها في الشرع:

    فقد عرفها شيخ الإسلام بأنها «ما خالفت الكتاب والسنة...» (7) .

    وقيل في تعريفها: «فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان» (8) .

    وقيل: «البدعة... عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى» (9) .

    وهذا القيد الأخير ليس شرطاً، فليس كل بدعة يراد بها المبالغة في التعبد، بل هناك بدع للترخص، وهناك بدع قولية.

    وجماع القول أن البدعة «ما لم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مما فعله، أو أقر عليه، أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه، وعدم النكير عليه» (10) .

    والبدع تختلف بالنسبة لحكمها: فهناك البدعة المكفرة كدعاء غير الله والتوسل به ورجاء النفع والضر منه.

    وهناك البدعة المحرمة كالبناء على القبور وإيقادها بالسرج، واتخاذها مساجد، إذ هذا وسيلة من سوائل الشرك المحرمة، وغير ذلك من البدع إذ جميع البدع صغيرة أو كبيرة محرمة (11) لعموم قولـه صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض ابن سارية – رضي الله عنه – «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».

    روى ابن الجوزي عن سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب» (12) .

    وفي ذم البدع يقول صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة – رضي الله عنها – «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (13) .

    وصاحب البدعة لا يخلو من حالين: إما أن يعتقد أن بدعته متممة لهذه الشريعة. وإما أن يعتقد أن ما جاء به أكمل. والثانية أشد بلاء من الأولى.

    ويرد على الاعتقاد الأول بأن الله قد أكمل هذه الشريعة، ولم يتوفَّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد بين غاية البيان ووضح منتهى الوضوح جميع أحكام هذه الشريعة.

    وإن كان يعتقد أن ما جاء به أكمل؛ فقد جعل من نفسه مشرعاً وندا لخالقه – تبارك وتعالى – وكل من دعا إلى بدعة فهو شيطان ضال مضل. كما قال ابن مسعود – رضي الله عنه – : خط لنا رسول الله × خطاً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام...» (14) قال ابن تيمية – رحمه الله – : «ومن تقرب إلي الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان» (15) ا.هـ.

    3- الغلو في الدين:

    الغلو في اللغة: هو الزيادة ومجاوزة الحد (16) .

    والغلو في الدين: أي التشدد فيه ومجاوزة الحد (17) .

    وفي الحديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله × غداة العقبة وهو على راحلته : «هات القط لي» فلقطت لـه حصيات هن حصب الخذف، فلما وضعتهن بيده قال بأمثال هؤلاء: «وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (18) .

    وفي الحديث أيضاً عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هلك المتنطعون» (19).

    والغلو يؤدي إلى انحراف الفطرة عن التوحيد لله تعالى ومن أمثلته: الغلو في عبادة غير الله تعالى، واعتقاد الشريك معه في الألوهية والربوبية. والغلو في المخلوقين حتى يصل إلى درجة تقديسهم ووصفهم بصفات الألوهية والربوبية، والاعتقاد أن لهم تأثيراً في الكون وأن لهم حق التحليل والتحريم، كما هو واقع بني إسرائيل(20) كما بينه –تبارك وتعالى – في قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ »(21)، وقولـه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} (171) سورة النساء»، وكما هو واقع النصارى حين عبدوا المسيح – عليه السلام – ومدحوه وغلوا فيه حتى رفعوه فوق منزلته، من حيث هو عبدالله ورسوله إلى كونه رباً معبوداً من دون الله تعالى، بل لم يكتفوا بذلك بل غلوا أيضاً في أتباعه من الرهبان والأحبار وجعلوا لهم حق التحريم والتحليل من دون الله تعالى، كما بين الله تعالى ذلك في قوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (31) سورة التوبة .

    وما وقع الشرك في هذه الأمة إلا بالغلو في الصالحين والأولياء كما جاء عن ابن عباس في الصحيح في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (23) سورة نوح. قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت» (22) .

    وهذا ما وقع فيه غلاة الشيعة والصوفية.

    ولهذا حذر الرسول عليه الصلاة والسلام أمته من الغلو فيه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (23) .

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

    «إن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه... وإما تفريط فيه، وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه... بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا فيه كما يمرق السهم من الرمية» (24) .

    4- التقليد:

    سواء في ذلك تقليد الآباء والأجداد أو تقليد المترفين، وهو من الأسباب التي توصل بها الشيطان إلى الصد عن سبيل الله كما جاء في حديث سبرة بن أبي فاكه (25) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد لـه بطريق الإسلام فقال لـه: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك قال: فعصاه فأسلم....» (26) الحديث.

    وأما تقليد المترفينالذين هم من أسباب الخزي والبلاء – فقد ذكره الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} (34) سورة سبأ.

    وقولـه: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} (23) سورة الزخرف

    وهم سبب هلاك الأمم، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (16) سورة الإسراء.

    5- التشبه:

    وخصوصاً التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والتشبه هو أصل البلاء، ومنبع كل شر في هذه الأمة في الحديث الصحيح عن أبي سعيد – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟ (27) .

    وعن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله × ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : الله أكبر، إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:  { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (138) سورة الأعراف.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

    «فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة؛ فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان» (29) .

    6- الـمـال:

    وهو من الأسباب التي تؤدي إلى انحراف الفطرة وانتكاسها، إذ هو من أسباب طغيان العبد وإعراضه عن الحق، بالإضافة إلى أنه سبب لانشغال العبد به عن آخرته حتى يصير عبداً له، ما لم يسخره في طاعة الله تعالى.

    والقرآن الكريم يصور لنا قصة قارون؛ وكيف أن المال كان سبب هلاكه. قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } (76) سورة القصص، الآيات إلى قولـه: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} (81) سورة القصص.

    وفي الحديث في قصة قدوم أبي عبيدة من البحرين وفيه «... فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» (30) .

    ولذلك قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (27) سورة الشورى، وقال تعالى: ¼ {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} (7) سورة العلق » .

    وقد كان المال والحرص عليه طريقاً من طرق إبليس لإضلال البشر والانحراف بهم عن الفطرة السوية، قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} (120) سورة النساء، فهو يعد الإنسان ويشغله بالأماني الباطلة بأنه «سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعلو على أقرانك... ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه...» (31) .

    وكما يكون المال فتنة فهو أيضاً المال نعمة تستحق الشكر ويغبط عليها من أُعطيها، كما في الحديث عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (32) .

    7- الحسد:

    وهو: «تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها»(33).

    وهو من أسباب انتكاس الفطرة، وحلق الدين كما بين المصطفى – عليه الصلاة والسلام – ذلك بقـوله في الحديث عن الزبير بن العوام – رضي الله عنه – أن رسول الله × قال: «دَبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»(34).

    والحسد هو الذي منع إبليس عن السجود لآدم عندما أمره الله جل وعلا: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (33) سورة الحجر، فأخرج من الجنة، وصار مرجوماً ¼ {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (35) سورة الحجر .

    والحسد صفة مذمومة من صفات اليهود؛ حيث وصفهم الله تعالى بها في مواضع من كتابه العزيز، ومنها قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (109) سورة البقرة، وقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (54) سورة النساء» .

    والمراد من الحسد: الحسد المذموم كما سبق تعريفه، وأما الغبطة فليس منها، وهي عدم تمنى زوال النعمة عن المحسود، بل يود أن ينال مثل ما نال، وإنما سميت حسداً من باب الاستعارة (35) .

    قال ابن القيم – رحمه الله – : «أصول الخطايا كلها ثلاثة: الكبر: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره، والحرص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة، والحسد: وهو الذي جرَّأ أحد ابني آدم على أخيه. فمن وقي شر هذه الثلاثة فقد وقي الشر. فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد» (36) .

    8- الجهل:

    إذ بالجهل تندثر الشرائع وتعلو البدع، وتنطمس معالم العقيدة، ويسلط الشيطان حزبه لمحو الحق تحت شعار الخير والدعوة، وحال قوم نوح شاهد على ذلك كما في حديث ابن عباس السابق وفيه: «... فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت».

    والشاهد في قـولـه: «حتى إذا هلك أولئك ونسي  العلم عبدت». ففيه تصريح أنها لم تعبد حتى نسي العلم.

    9- الهوى والشهوات المحرمة:

    إذ هي سبيل الصد عن الله وقطع الطريق إليه وبها حفت النار والشهوات جمع شهوة «من شَهاهُ يُشْاهُ شهوًةً واشتهاه وتَشَهّاهُ: أحبه ورغب فيه» (37) ، « الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده» (38) .

    والنفس البشرية جبلت على حب الشهوات والتعلق بها، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (14) سورة آل عمران.

 

 

فإذا اتجه المخلوق لغير الخالق، وتعلق به انحرفت فطرته، كما في حديث عياض بن حمار – رضي الله عنه  – وفيه: (... وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)

أوقات الصلاة