إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة

  مسألة مهمة في حسن الظن بالله  

  ثلاثية السعادة 

  ورقة عمل دور المكاتب الدعوية في ثبات المسلمات الجدد 

  لا عدوى ولا صفر 

  حشر الخلق يوم القيامة 

  مُلَخَّص أحكام الحَيْض والنِفاس والاستحاضة لفضيلة د. قذله القحطاني 

  استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ 

  ألا إن نصر الله قريب  

  تقريب وتلخيص كتاب كشف الشبهات للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب  

  الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان  

  لا صفر

  بدع عاشوراء

   جدول المحاضرات والدروس لعام 1439 هـ

  قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم

  دروس من مدرسة التوحيد الكبرى _ ماذا بعد الحج

  سؤال العافية

  تفعيل الدور الدعوي للمرأة في الحج

  مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً )

  الحصن الحصين

  أعظم مناجاة

 
فيس بوك


 
التاريخ :19/3/1438 هـ بحوث ودراســات د . قذلة بنت محمد القحطاني
شرح كتاب التوحيد للامام المجدد محمد بن عبدالوهاب الجزء الاول
1 بدون عنوان

بسم الله الرحمن الرحيم

الـمـقدمـة

إن الحمد لله، نحمده دروس مسجد الراجحي بالرياض ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى إله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيرًا؛ أما بعد:

فهذا هو شرح كتاب التوحيد للإمام المجدد «محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي»، إمام الدعوة الحديثة في جزيرة العرب، ومجدد من مجددي الإسلام، أخذ نفسه أولًا ثم من حوله بما يعتقد أنه الحق المبين، على طريقة المرسلين في دعوة الناس إلى توحيد رب العالمين، وقد كافح من أجل ذلك وقاسى حتى كتب الله لدعوته القبول.

لتحميل الكتاب كاملا منسقا على الرابط التالي :

http://www.d-gathla.com/books/twheed1.pdf

وقبل البدء في الشرح يجدر بنا أن نأخذ نبذة مختصرة في ترجمة الشيخ ؒ تعالى..

اسمه ونسبه ونشأته:

هو أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف التميمي، ولد سنة 1115 للهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وتعلم على أبيه في بلدة العُيينة، وهي قرية معلومة في اليمامة بنجد، وهي مسقط رأسه ؒ، حيث ولد فيها ونشأ نشأة صالحة، وقرأ القرآن مبكرًا، واجتهد في الدراسة والتفقُّه على أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان -وكان فقيهًا كبيرًا وعالمًا قديرًا، ولي القضاء في بلدة العيينة- ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف، ثم توجَّه إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فاجتمع بعلمائها، وأقام فيها مدة، وأخذ من عالِمَين كبيرين مشهورين في المدينة ذلك الوقت، وهما: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي -أصله من المجمعة، وهو والد الشيخ إبراهيم بن عبد الله صاحب «العذب الفائض في علم الفرائض»- والشيخ الكبير محمد حياة السندي بالمدينة، هذان العالمان ممن اشتهر أخْذُ الشيخ عنهما بالمدينة.

كما رحل الشيخ إلى العراق لطلب العلم، فقصد البصرة واجتمع بعدد من علمائها المعروفين، وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم، وهناك اتضحت له معالم الدعوة التي يجب أن يقوم بها، وتبينت له ضخامة المهمة العظيمة التي أُلقيت على عاتقه، وارتسمت أمام ناظريه أبعاد المعركة التي سيخوضها مع الطوائف المضّللة من الناس، فأظهر الدعوة هناك إلى توحيد الله تعالى وإلى اتباع السنة، وأظهر للناس أن الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا دينهم عن كتاب الله وسنة رسوله ، وناقش وذاكر وناظر في ذلك، واشتهر من مشايخه هناك الشيخ محمد المجموعي، وكان قد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة لأنه كان على ذات الطريقة من الدعوة إلى التوحيد واتباع السنة، فحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى، فخرج من أجل ذلك وكان من نيته أن يقصد الشام، فلم يقدر على ذلك لعدم وجود النفقة الكافية، فخرج من البصرة إلى الزبير، ثم توجه من الزبير إلى الأحساء، واجتمع بعلمائها وذاكرهم في أشياء من أصول الدين، ثم توجه إلى بلاد حريملاء وذلك -والله أعلم- في العقد الخامس من القرن الثاني عشر لأن أباه كان قاضيًا في العيينة فحدث بينه وبين أميرها نزاع فانتقل عنها إلى حريملاء سنة 1139 هجرية، فقدم الشيخ محمد على أبيه في حريملاء واستقر هناك، وألّف فيها كتاب التوحيد الذي نحن بصدد شرحه، ولم يزل مشتغلًا بالعلم والتعليم والدعوة في حريملاء حتى مات والده عام 1153 هجرية، فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه، وقيل إن بعض العبيد تسور عليه الجدار فعلم بهم بعض الناس وصاحوا بهم فهربوا، ورجَّح بعضهم أن خروجه من حريملاء إنما كان لقبول ابن معمّر أمير العيينة بدعوة الشيخ.

استقراره في العيينة:

بعد هذه الحادثة خرج الشيخ للعيينة واستقر بها، وأسباب غضبهم عليه أنه كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكان يحث الأمراء على تعزير المجرمين الذين يعتدون على الناس بالسلب والنهب والإيذاء.

ثم انتقل إلى بلدة العيينة وأميرها إذ ذاك عثمان بن محمد بن معمر، فنزل عليه ورحب به الأمير، وقال: قم بالدعوة إلى الله ونحن معك وناصِروك، وأظهر له الخير والمحبة والموافقة على ما هو عليه، فاشتغل الشيخ بالتعليم والإرشاد والدعوة إلى الله ، وتوجيه الناس إلى الخير والمحبة في الله، رجإلهم ونسائهم، واشتهر أمره في العيينة وعظم صيته، وأقبل إليها الناس من القرى المجاورة.

إزالة معالم الشرك:

وبدأ الشيخ ؒ في أخذ مجموعة من الإجراءات العملية المهمة في سبيل نشر الدعوة؛ إذ قطع الأشجار التي عظَّمَها الناس، وهدم القبور التي يطوف بها الناس ويقربون لها النُّذور والقرابين، ومنها قبة زيد بن الخطاب ، وقد كانت مقصدًا للعامة يستشفعون بها، ويلجئون إليها، وقد ذكر ابن بشر قصة إلهدم في كتابه (عنوان المجد) فقال: «قال الشيخ لعثمان: دعنا نهدم هذه القبة التي وُضعت على الباطل، وضلَّ بها الناس عن إلهدى. فقال: دونكها فاهدمها. فقال الشيخ: أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا، ولا أستطيع أن أهدمها إلا وأنت معي.

فساعده عثمان بنحو ستمائة رجل؛ فلما قربوا منها ظهر عليهم أهل الجبيلة يريدون أن يمنعوهم، فلما رآهم عثمان علم ما همُّوا به فتأهَّب لحربهم، وأمر جموعه أن تتعزل للحرب؛ فلما رأوا ذلك كفُّوا عن الحرب وخلوا بينهم وبينها. ذُكر لي أن عثمان لما أتاها قال للشيخ: نحن لا نتعرَّضها. فقال: أعطوني الفأس. فهدمها الشيخ بيده حتى ساواها، ثم رجعوا فانتظر تلك الليلة جُهَّال البدو وسفهاؤهم ما يحدث بسبب هدمها، فأصبح (الشيخ) في أحسن حال». كما قطع الشيخ محمد بن عبد الوهاب شجرة قريوة وأبو دجانة والذيب وذلك بمساعدة عثمان بن معمر.

ووصل أمر الشيخ إلى أمير الأحساء وتوابعها من بني خالد: سليمان بن عريعر الخالدي، وأنه يدعو إلى الله ويهدم القباب، وأنه يقيم الحدود، فثقل عليه أمر الشيخ، وخاف أن يعظم أمره ويكون به زوال سلطانه، فكتب إلى عثمان بن معمر أمير العيينة- يتوعده ويأمره قائلًا: إن «المطوع» الذي عندكم قد بلغنا عنه كذا وكذا، فإما أن تقتله، وإما أن نقطع عنك خراجك الذي عندنا! وكان عنده للأمير عثمان بن معمر خراج من الذهب، فعظم على عثمان أمر هذا الأمير، وخاف إن عصاه أن يقطع عنه خراجه أو يحاربه، فقال للشيخ: إن هذا الأمير كتب إلينا كذا وكذا، وإنه لا يحسن منا أن نقتلك أو نؤذيك، وإنا نخاف هذا الأمير ولا نستطيع محاربته، فإن رأيتَ أن تخرج عنا فعلتَ، فقال له الشيخ: إن الذي أدعو إليه هو دين الله وتحقيق شهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن تمسك بهذا الدين ونصَره وصدق في ذلك نصره الله وأيّده وولّاه على بلاد أعدائه، فإن صبرتَ واستقمت وقبلتَ هذا الخير فأبشر، سينصرك الله ويحميك من هذا البدوي ومن غيره، وسوف يوليك الله بلاده وعشيرته. فقال: أيها الشيخ! إنا لا نستطيع محاربته، ولا صبر لنا على مخالفته.

دخول الشيخ محمد إلى الدرعية:

فخرج الشيخ عند ذلك في أول النهار وتحول من العيينة مشيًا على الأقدام في الصحراء الملتهبة، حتى وصل إلى بلاد الدرعية في آخر النهار ، حيث لم يعطه عثمان أمير العيينة راحلة يركبها، فنزل على تلميذ له في أعلى بلدة الدرعية، وكان من خيارها، يقال له: محمد بن سويلم العريني، ويقال: إن هذا الرجل سِيءَ بنزول الشيخ عنده وضاقت به الأرض بما رحبت، وخاف من أمير الدرعية وملحقاتها: الأمير محمد بن سعود، فطمأنه الشيخ وقال له: أبشر بالخير، وهذا الذي أدعو الناس إليه هو دين الله، وسوف يظهره الله. فبلغ محمد بن سعود خبر الشيخ، ويقال: أخبرته به زوجته، حيث جاء إليها بعض الصالحين، وقال لها: أخبري الأمير محمدًا بأمر هذا الرجل، وشجِّعيه على قبول دعوته، وحرضيه على مؤازرته ومساعدته، وكانت امرأة عاقلة صالحة، فلما دخل عليها محمد بن سعود قالت له: أبشر بهذه الغنيمة العظيمة! هذه غنيمة قد ساقها الله إليك: رجل داعية يدعو إلى توحيد الله ويدعو إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ، فبادِر بقبوله ونصرته ولا تتردد في ذلك أبدًا. فقبل الأمير مشورتها، ثم تردد هل يذهب إلى الشيخ أم يدعوه إليه؟ فأشارت عليه امرأته أيضًا مع جماعة من الصالحين، وقالوا له: لا ينبغي أن تدعوه إليك، بل تقصده في منزله، فأنت من يعظّم العلم وأهله. فأجاب إلى ذلك لِما كتب الله له من السعادة والخير، ؒ وأكرم مثواه.

وذهب إلى الشيخ في بيت محمد بن سويلم، وسلم عليه وتحدث معه، وقال له: أبشر بالنصرة والأمن والمؤازرة والمساعدة. فقال له الشيخ: وأنت أبشر بالنصرة والتمكين والعاقبة الحميدة؛ فهذا هو دين الله، من نصَره نصَره الله، ومن أيّده أيّده الله ومكَّنه، وسوف تجد آثار ذلك سريعًا. فقال الأمير: سنبايعك على دين الله ورسوله وعلى الجهاد في سبيل الله، ولكنني أخشى إذا أيدناك ونصرناك ثم أظهرك الله أن تبتغي أرضًا غير أرضنا وأن تنتقل عنا إلى غيرنا؟ فقال الشيخ: لا أبايعك على هذا، بل أبايعك على أنّ الدم بالدم وإلهدم بإلهدم، لا أخرج عن بلادك أبدًا، ولا أستبدل بها غيرها.

كان ذلك عام 1179هـ، حيث تعاهد الشيخان وتحالفا على حمل همِّ الدعوة والقيام بها والدفاع عنها، ونشر الدين الحق وفق الكتاب والسنة، ومحاربة مظاهر الشرك والبدع، فانتشرت هذه الدعوة في الجزيرة العربية، ثم منها خرجت إلى أقطار العالم الاسلامي، على الرغم من المعارضين والمعاندين لها، ولكن الله تعالى كتب لها القبول والنصر، والانتشار والبقاء؛ لأنها كانت دعوة ناصعة كالشمس؛ مبنية على توحيد الله ونصرة الحق، وتحكيم كلام الله ورسوله في العقائد والأحكام، ونبذ التقليد الأعمى الذي يقود إلى الشرك والخرافة وتعطيل المعقول والمنقول.

أعمال الشيخ في الدرعية:

أصبحت الدرعية منبع علم يهاجر إليها الناس من كل مكان بعد أن أقام الشيخ فيها معظَّمًا مؤيَّدًا، محبوبًا منصورًا، وكان قد رتّب الدروس للعامة والخاصة، والصغار والكبار، والرجال والنساء، في العقائد والتوحيد، وفي القرآن الكريم وعلومه، وفي التفسير، والفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه، وعلوم العربية، والتاريخ والسيَر، وغير ذلك من العلوم النافعة والفنون المختلفة، حيث تسامع الناس بأخبار الشيخ ودروسه ودعوته إلى الله وإرشاده إلى علم الكتاب والسنة، فأتوا إليه زرافاتٍ وَوُحْدانا، ينهلون من علمه ويُفيدون من دعوته. وتوافدوا إلى الدرعية من كل مكان، من العيينة، وعرقة، ومنفوحة، والرياض، وغيرها من البلدان المجاورة.

ثم بدأت مسيرة الجهاد لإزالة معالم الشرك في البلاد، فكاتَب الشيخُ العلماء والأعيان وأُمراء البلدان يدعوهم إلى الدخول في هذا الميدان، وبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها، فكاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، وكاتب علماء الخرج وأمراءها، وعلماء الجنوب والقصيم وحائل والوشم وسدير والأحساء، والحرمين الشريفين، كما كاتب علماء الخارج في مصر والشام، والعراق، وإلهند، واليمن، وغيرها.

ولم يزل يكاتب الناس ويقيم الأدلة والحجج، ويذكر للناس ما وقع فيه أكثر الخلق من الشرك والخرافات، كالطواف حول القبور ودعوة الأولياء من دون الله، وغيرها من الشركيات والبدع التي تخالف مقتضى دعوة الأنبياء وتناقض شهادة التوحيد.

علم الشيخ وصفاته:

كان الشيخ ؒ تعالى علَمًا من الأعلام، ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة، خبيرًا مطلعًا، إمامًا في التفسير والحديث، والفقه والأصول، وعلوم الآلة كالنحو والصرف والبيان، عارفًا بأصول عقائد الإسلام وفروعها، كشافًا للمشكلات، حلَّالًا للمعضلات، فصيح اللسان، قوي الحجة، مقتدرًا على إبراز الأدلة وواضح البراهين بأبلغ عبارة وأبينها، تلوح على مُحيّاه علامات الصلاح وحسن السيرة، وصفاء السريرة، يحب العباد ويغدق عليهم من كرمه، ويصلهم ببره وإحسانه، مجتهدًا في النصح والإرشاد، كثير الاشتغال بالذكر والعبادة، قلّما يفتر لسانه عن ذكر الله، وكان يعطي عطاء الواثق بربه، ويتحمل الدَّين الكثير لضيوفه ومن يسإله، وكان عليه أُبّهة العظمة، تنظره الناس بعين الإجلال والتعظيم، مع كونه متصفًا بالتواضع واللين مع الغنيّ والفقير، والشريف والوضيع، وكان يخص طلبة العلم بالمحبة الشديدة، وينفق عليهم من مإله، ويرشدهم على حسب استعدادهم، وكان يجلس كل يوم عدة مجالس يلقي دروسه في مختلف العلوم، من توحيد وعقائد، وتفسير وحديث، وفقه وأُصول، وسائر العلوم العربية والفنون الشرعية، وكان عالمًا بدقائق التفسير والحديث، وله الخبرة التامة في عِلله ورجإله، غير ملول ولا كسول من التقرير والتحرير، والتأليف والتدريس، وكان صبورًا عاقلًا حليمًا، لا يستفزه الغضب إلا أن تُنتهك حُرمة الدين أو تهان شعائر الله، معظِّمًا للعلماء، منوّهًا بما لهم من الفضائل، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، غير صبور على البدع، ينكر على فاعليها بحكمة ورفق، متجنّبًا الشدة والحدّة والعنف والغضب، إلا أن تدعو إليه الحاجة وتترجح فيه المصلحة.

ولا غرو إذا اتصف الشيخ بتلك السجايا الحميدة، والخلال الكريمة، فقد ورثها عن آبائه وأسلافه الأبرار؛ إذ كانوا معروفين بالعلم والفضل والكرم والزهد، فقد كان جده سليمان بن علي عالم نجد في زمانه، له اليد الطولَى في كثير من الفنون، فشُدَّت إليه الرحال من أصقاع نجد لتحصيل العلوم والتتلمُذ على يديه.

قال ابن بشر واصفًا سليمان: صنّف مصنفات عديدة، ودرّس وأفتى، وأفاد طلاب العلوم من علمه الواسع. أما والد الشيخ: عبد الوهاب بن سليمان فقد كان عالمًا كاملًا، ورعًا زاهدًا، له معرفة تامة في علوم الشريعة وآلاتِها، تولى القضاء في عدة أماكن من نجد، منها العيينة وحريملا، وله مؤلفات ورسائل مستحسنة، فرحم الله الجميع رحمة واسعة.

مؤلفات الشيخ:

ألف الشيخ عدة كتب، منها:

- كتاب التوحيد. الذي نحن بصدد شرحه، وهو أشهر مؤلفاته ؒ.

- كشف الشبهات.

- ثلاثة الأصول.

- القواعد الأربع

- مختصر السيرة النبوية.

- مختصر الإنصاف والشرح الكبير في الفقه.

- نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين.

- كتاب الكبائر.

- آداب المشي إلى الصلاة.

- أصول الإيمان.

- مختصر زاد المعاد.

- مختصر صحيح البخاري.

- مسائل الجاهلية.

- استنباط من القرآن (في جزأين).

- أحاديث الفتن.

مسائل الجاهلية.

وله عدة رسائل أكثرها في التوحيد وتصحيح العقيدة.

ومما يميز كتبه ؒ: اختصاره واعتماده على الاستدلال من الكتاب والسنة والتأصيل العقدي، وهذا يردّ ما يثار حوله من إلهجمة الشرسة من أعداء الاسلام وأهل البدع، من أنه لم يكن على منهج صحيح معتدل، حيث إن المطلع المنصف يرى أنه ؒ إنما كان عمدته الكتاب والسنة وفهم الرعيل الأول من الصحابة وسلف الأمة، حتى إنه قليلًا ما يستطرد في التعليق على الأدلة والنصوص، حيث كان يعتمد الاختصار ووضوح العبارة سواء للعامة أو لطلبة العلم من أجل تبسيط مسائل التوحيد؛ ما أدى إلى ذيوعها وشيوعها بين العلماء وطلبة العلم، فهي تُحفظ وتُشرح وتعاد مرات ومرات، فكتاب ثلاثة الأصول مثلًا كانوا يقرؤونه كل يوم في دروس الشيخ محمد بن ابراهيم ؒ، وعليه عشرات الشروح والحواشي التي طُبعت وانتشرت؛ لاختصاره وعظيم نفعه، وهذا مما يميز هذا المنهج المبارك الذي نفع الله به.

فنقول لمن فهموا عن الشيخ وعن منهجه خلاف الواقع: ارجعوا إلى كتبه ومؤلفاته، فهي شاهدة على أن عقيدته ودعوته وأقوإله لم تخرج عن عقيدة وأقوال السلف والعلماء وأئمة المذاهب الأربعة، وأنه من العلماء المجددين الذين دعوا إلى تحكيم النقل الصحيح والعقل الرجيح وإلى التجرد للحق ونبذ التعصب والتقليد الأعمى.

نسأل الله تعالى أن يرفع للشيخ درجته ويُعلي منزلته، كما رفع دين الله ونصر دعوة الحق وذبَّ عن التوحيد بعد أن عمَّت الفتن والمنكرات، وانتشرت البدع والمحدثات، وكاد التوحيد أن تُطمس معالمه في جزيرة العرب ومهبط الوحي، كما قال إبراهيم بن سحمان ؒ تعالى:

وَمِلـَّةُ إبْرَاهِيمَ غُـودِرَ نَهْجُـهَا

 

 

فَأَضْحَتْ عَفَاءً طَامِسَاتِ الْـمَعَالِمِ


وَقَدْ عُدِمَتْ فِينَا وَكَيْفَ وَقَدْ سَفَتْ

 

 

عَلَيْهَا السَّوَافِي فِي جَمِيعِ الأَقَالِمِ


وَمَا الدِّينُ إلاَّ الْـحُبُّ وَالْبُغْضُ وَالْوَلا

 

 

كَـذَاكَ الْبَرَا مِنْ كُـلِّ غَاوٍ وَآثِمِ


وَلَيـْسَ لَهَا مِنْ سَـالِكٍ مُتَمَسِّكٍ

 

 

بِدِينِ النَّبِيِّ الأَبْطَـحِيِّ ابْنِ هَاشِمِ


فَيَا مِحْنَةَ الإسْلامِ مِنْ كُلِّ جَاهِلٍ

 

 

وَيَا قِلّـَةَ الأَنْصَارِ مِنْ كُلِّ عَالِمِ


وَهَذَا أَوَانُ الصَّبْرِ إنْ كُنْتَ حَازِمًا

 

 

عَلَى الدِّينِ فَاصْبِرْ صَبْرَ أَهْلِ الْعَزَائِمِ


فَمَـنْ يَتَمَسَّكْ بِالْـحَنِـيفِيَّةِ الَّتِي

 

 

أَتَـتْنَا عَنِ الْـمَعْصُومِ صَفْوَةِ آدَمِ


لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ امْرَءًا مِنْ ذَوِي إلْـهُدَى

 

 

مِنَ الصَّحْبِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الأَكَارِمِ


ومن يتأمل الواقع اليوم يجد أننا نعيش في أزمة أشد مما كانت عليه في زمن الشيخ محمد ؒ، لا سيما وإلهجمة الآن صارت حتى على توحيد الربوبية عن طريق نشر الأفكار الإلحادية والتشكيك في ربوبية الخالق سبحانه، ومن التعلق بغير الله وعدم تحكيم شرعه، إضافة إلى ما ذاع وشاع من البدع والمنكرات، والجهل بالكتاب والنبوات، مع كثرة الفتن والمغريات التي ساعد على انتشارها ثورة تقنية المعلومات، حتى أصبح البعض من أبناء هذه الأمة حرب على الدين والتوحيد، فنسأل الكريم سبحانه أن يحفظ علينا ديننا ويثبتنا عليه، إنه جواد كريم.

وفاته ؒ:

كانت وفاة الشيخ ؒ عام 1206هـ وعمره إذ ذاك إحدى وتسعين سنة، قضاها في العلم والجهاد والدعوة، ودُفن ؒ في الدرعية، وقد رثاه العلماء في أقطار العالم, وكتب الله لدعوته القبول والانتشار، وأكملها من بعده الأبناء والأحفاد والطلاب.

كتاب التوحيد:

ومن ثمرات هذا المنهج وهذه الدعوة المباركة: كتاب التوحيد الذي كتب الله القبول، فحفظه الطلاب وشرحه العلماء وطلبة العلم في المساجد والمدارس، وله شروحات كثيرة من أهمها: كتاب «فتح المجيد» للحفيد عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، وأيضًا كتاب «تيسير العزيز الحميد» لسليمان بن عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، و«القول المفيد» للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، و«حاشية كتاب التوحيد» للشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي، رحم الله الجميع.

منهج الإمام محمد بن عبدالوهاب في تقرير العقيدة:

الكلام على هذا المنهج هو الذي يقرره أئمة الدعوة، والذي قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو منهج ابن تيمية ؒ تعالى، ومنهج تلميذه ابن القيمؒ، وهو منهج السلف، والناس في ذلك بين غالٍ فيها وجافٍ عنها، وهذه الأمة وسط: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ [البقرة:143]، وكذلك هي وسط بين طرفي الغلو والتفريط.

إذا تبين هذا فإن الإمام المصلح مجدد أمر الدين في زمانه محمد بن عبد الوهاب ؒ كان مقتفيًا لآثار من قبله؛ حتى إنه لا يُعرف أنه تكلم في مسألة من غير سابق له من أئمة الإسلام، وإنما كان يتّبع من قبله من الأئمة وخاصة الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ؒ المتوفى 241هـ، والإمام ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ والعلامة ابن القيم، والحافظ الذهبي، وابن كثير، وغيرهم من العلماء الذين قرروا منهج السلف بوضوح.

فإذن هو في منهجه متّبع لأئمة الإسلام، من السلف الصالح فمن بعدهم، ولم يكن في منهجه مبتدعًا منهجًا جديدًا، لا في العقيدة، ولا في العلم، ولا في العمل والتعامل؛ ولهذا فإننا إذا تكلمنا على منهجه في الواقع في تقرير العقيدة فإنما نتكلم عن منهج السلف الصالح تعالى.

أقسام التوحيد:

من أهل العلم مَن قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

ومنهم من قسّمه إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات [ويتضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات]، وتوحيد القصد والطلب [والمقصود به: توحيد الألوهية أو توحيد العبادة].

وهذا القسم الأخير: توحيد القصد والطلب، أو توحيد الألوهية، هو الذي شحذ همة الإمام المصلح ؒ في دعوته الإصلاحية في تجديد أمر الدين، كما يدخل كذلك في العقيدة والتوحيد: اتّباع النبي الكريم محمد بن عبد الله في الاقتداء بسنته والحضّ عليها والنهي عن البدع ومحدثات الأمور.

إذا تبيّن هذا فما هي معالم هذا المنهج؟

الـمَعْلم الأول:

أول معلم من معالم المنهج: أنّ منهج السلف الصالح ومنهج أئمة الإسلام في تقرير العقيدة هي أنّه لا يصح أن تؤخذ العقيدة إلا من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله ، ومما أجمع عليه السلف.

فحينئذٍ لا يكون الاستدلال بالعقل في مسائل الاعتقاد دليلًا ولا منهجًا، وحينئذ لا يكون الاستدلال بالوجه أو الاستحسان أو ما يظهر لفلان أو ما يستحسنه فلان من أن له مدخلًا في ذلك، ويبطل حينئذ استدلال البعض بمسائل الاعتقاد بالمنامات أو بما يراه الرائي، أو بقوله: جاءني شبه إلهام، كما يدعيه قوم من الصوفية ونحوهم في إثبات أشياء أو نفي أشياء عن طريق المنامات والرؤى أو عن طريق الوجد أو نحو ذلك.

أيضًا: يبطل في هذا سلوك أهل البدع في تقرير مذاهبهم كالخوارج والمرجئة والقدرية والمعتزلة والجهمية والأشاعرة ونحوهم ممن يُثبتون عقائدهم باجتزاء بعض النصوص، ولا يأخذون كل ما جاء في المسألة من الأدلة ويجمعون بينها؛ ولكن يأخذون ببعض ويتركون بعضًا، فلهم نصيب من قوله تعالى: ﴿ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ [آل عمران:7].

ولهذا لم يقدم الشيخ ؒ حتى خطبة لكتاب التوحيد؛ لأن لا شيء يدل على التوحيد أعظم من كلام رب العالمين سبحانه، فكان من تعظيمه جل وعلا ومن الدلالة على المنهج الحق في التوحيد أن لا يُسبق كلام الله بغيره، ولا يسبق كلام رسوله إلا بكلام الله جل وعلا.

ومن هنا نجد أن كتاب التوحيد ليس فيه إلا آية أو حديث، وأحيانا يأتي بكلام يوضح معنى كلمة أو جملة أو حكمٍ في الآية والحديث من نقل كلام بعض السلف وأهل العلم المعتبرين في ذلك، وعلى هذا جميع كتب الإمام ؒ تعالى.

وقد عاب قوم عليه أنه لا يُطنب في التأليف ولا يفصل ولا يستطرد، وهذه في الواقع منقبة وليست منقصة، فهي مما يبسط العلم ويوضح المنهج؛ لأن الدعوة هي دعوة التوحيد التي جاء بها القرآن بلسان عربيٍّ مبين، وبيّنها سيد المرسلين، والتوحيد ليس علمًا خاصًا بفئة من الناس يتعلمونها، بل هو حق الله على العبيد، فهو للجميع: الصغير والكبير، والمرأة والرجل، وطالب العلم والبدوي، والقريب والبعيد، يأخذه من أراده عن كلام الله وكلام رسوله سهلًا سائغًا من خلال هذه الرسائل المختصرة الواضحة التي لا يقال إنها من تنظير الشيخ نفسه، فلو أنه فصّل فيها وأطال فإن طول الكلام يُنسي بعضه بعضًا، ومن التعقيد إطالة الكلام في توضيح الواضحات، وقد كان علم السلف كثير وكلامهم قليل؛ فلهذا كان يختصر جدًّا في تقرير العقيدة بالدليل من الكتاب والسنة ليكون المتلقي لهذا المنهج معه الدليل الواضح البيّن من كتاب الله ومن سنة رسوله ، ثم من أراد التأصيل والتفصيل وزيادة التدليل، فدونه الشروح لهذه المتون والرسائل، ودونه الكتب المبسوطة لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.

المعلم الثاني:

ومن معالم هذا المنهج المبارك: أنّ الدعوة إلى التوحيد وتقرير العقيدة بعامة هو أولى الأولويات وأهمّ المهمات، وذلك لقول النبي لمعاذ بن جبل: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»([1])، وفي رواية أخرى عند البخاري في كتاب التوحيد: «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله...» ([2])، وعند مسلم في أول صحيحه: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ»([3]) وهذا يدل على أن أولى الأولويات في الدعوة إلى الله هو أن يُدعى إلى التوحيد.

فالإمام المصلح في دعوته لم يبدأ دعوته بقصص ولا برقائق وزهديات، وإنما صبر وصابر سنين وهو يقرر توحيد العبادة وما يدل عليها من حق الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته جل وعلا، ثم إن مسائل التوحيد تختلف أيضا في ترتيب أولوياتها، لهذا نجِد أن الإمام ؒ في دعوته وفيما يقرره في كتبه ورسائله لا يجعل المسائل المتصلة بالعقيدة والتوحيد في مرتبة واحدة، وذلك بيّن في منهجه؛ بل يبدأ بالأصول العظيمة كالتحذير من الشرك الأكبر ودعوة غير الله، والاستغاثة وطلب الحاجات من سواه- وأخّر بعض المسائل كبعض مسائل التوسل والتبرُّك والرد على الأشاعرة في ذلك- حتى اتضحت الدعوة وانتشرت وتأهَّل الناس لقبولها واستيعابها.

لقد بدأ الشيخ ؒ دعوته بشيء عظيم واضح؛ لأن حاجة الناس إليها أعظم ما يكون، وحجة الخصم فيها أضعف ما يكون، ولو اشتغل ببعض مسائل التبرك أو مسائل التوسل أو تأويل الصفات أو نحو ذلك؛ لكان ذلك خلاف الشرع والعقل، فكان من الحكمة أنه أخذ بسنة النبي في تقرير توحيد العبادة الأكبر أولًا.

ونحن نجد ذلك التدرُّج في دعوة النبي ، فمثلًا: مسألة الحلف بغير الله تعالى لم يأتِ تحريمها إلا في المدينة، أما في مكة فقد كان الرجل يحلف بأبيه ويحلف بالكعبة ويحلف بنحو ذلك، ولكنه لم يُنْهَ عنه إلا في المدينة، وكذلك قول الرجل: ما شاء الله وشئت. هذا إنما نُهي عنه في المدينة في قصة مع بعض أحبار اليهود، حيث قالوا لبعض الصحابة: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تنددّون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما بلغ النبي ذلك قال: «قولوا: ما شاء الله وحده»([4]). فهذا كله إنما كان في المدينة، مع أن المسألة عقدية متصلة بالتوحيد؛ لكنها لم تُقرر إلا بعد إلهجرة.

فإذا قلنا: التوحيد أولًا لأنه أهم المهمات، فليس معنى ذلك أن يُعطى الناس كل مسائل التوحيد دفعة واحدة، بل يُبدأ بأهم ما يحتاجون إليه، ويُحذَّرون من أخطر ما قد يقعون فيه من شرك أكبر أو نحو ذلك، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله»([5]). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: « مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»([6]).

المعلم الثالث:

في منهج هذه الدعوة المباركة: أن الإمام ؒ تعالى لم يفرّق في دعوته بين أصناف الناس، ولم يجعل دعوته خاصة بفئة دون فئة، أو طبقة دون طبقة، فلم يدعُ الكبار ويترك الصغار، ولم يؤهل الشباب ويتخلى عن الشيوخ، ولم يعلم الرجال ويترك النساء، أويهتم بالأغنياء ويهمل الفقراء، بل جعل دعوته عامة لكل مكلّف؛ لأنها لم تكن دعوة سياسية تهدف للوثوب على منصب أو التربع على كرسي، وإنما كان إلهدف منها تعبيد الناس لرب العالمين وحده، فتخصيص الدعوة لطائفة من المكلفين والتركيز عليهم دون طائفة هذا ليس منهجًا نبويًا، صحيح أن الشباب في الغالب هم الأكثر تأثُّرًا لا لأجل تخصيصهم ولكن لأنهم الأكثر تقبلًا كما قال جل وعلا: ﴿ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ [يونس:83]، قال ابن كثير: معنى ﴿ ﮃ ﮄ ﮅ يعني أنهم شبابا؛ لأن أكثر أتباع الأنبياء كانوا شبابا، لا لأجل أن دعوة الأنبياء والمرسلين توجهت إلى الشباب؛ ولكنهم الأسلم من جهة الأهواء، والأكثر قبولًا للحق.

فكان من منهج الإمام ؒ في دعوته أنها خاطبت أمراء القرى في وقته، وخاطبت العلماء، وخاطبت العامة، وخاطبت أهل الحضر، وخاطبت البدو، وخاطبت النساء والرجال. فكان العلم يُبث في النساء كما يبث في الرجال، وكان في الدرعية في ذلك الوقت مكان يخصص للدروس يحضره الرجال ومكان يحضره النساء كل يوم في أواخر وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

المعلم الرابع:

من معالم منهج الإمام ؒ في تقرير العقيدة: أنه كان يحمل العقيدة حملًا كاملًا على منهج السلف الصالح، فحملها في أبواب أركان الإيمان، وتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعدم تأويل الصفات، وتقرير ما قرره السلف ، وعدم الدخول في الغيبيات بما ينفي ذلك عن ظاهرها، وقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الدعوة بالطريقة المحمدية وفق ما توجبه الشريعة دون غلو فيها ودون تفريط، وقرر طاعة ولاة الأمر في ذلك والسمع لهم فيما ليس فيه معصية، والجهاد معهم، وقرر المنهج في التعامل مع المخالفين من المشركين والمبتدعة..

فكان له في كل مسألة الكلام الواضح والتقرير البيّن الراسخ، فتجد ليونته ورحمته في موضعها، وتجد قوته وشدته في موضعها اللائق بها، وهو في ذلك كله يقرر فنون الأخلاق والتعامل وفق ما دلت عليه النصوص دون أن يأخذ شيئًا من ذلك بالتشهِّي وإلهوى، أو بتقرير ما لم يدل عليه الدليل، ولم يكن عليه منهج السلف الأصيل.

المعلم الخامس:

وهو أثر العقيدة أو المنهج في الاعتقاد عند الإمام ؒ تعالى في تربية الناس من طلبة العلم وغيرهم، بل أخذ جميع الناس على السلوك الحسن مع الله جل وعلا ومع سائر الخلق، كما قال ابن تيمية ؒ: «أهل السنة هم أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق»([7]).

هناك من الدعاة من قد يهتم بالعقيدة لكنهم يكونون ضعفاء في السلوك والعبادات، وتزكية النفوس وأعمال القلوب، وكذا في الأخلاق وفيما يتعلق برحمة الخلق والتعامل معهم؛ سواء مع الوالدين، مع الأسرة، مع الأبناء، مع الزوجة، وغيرهم... وذلك كله لضعف العقيدة والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالنبي محمد الذي كان أكمل المؤمنين إيمانًا وأحسنهم خُلقًا، ولضعف الإيمان باليوم الآخر، وإلا فمن كان عنده إيمان حق بالله تعالى، وبالنبي وبما جاء به وكان عليه، وعنده إيمان بالقرآن وما أُنزل فيه، وعنده إيمان باليوم الآخر وخوف من لقاء الله جل وعلا، فلا بد أن يؤثر هذا في سلوكه قطعًا.

لهذا نجد أن العقيدة التي دعا إليها الإمام ؒ دعَتْ إلى أن يكون المؤمن حسن التعامل أولًا مع الخالق جل وعلا، ثم مع الخلق، فنقلت الناس الذين كانوا قريبين من الدعوة إلى أنهم كانوا أحسن خُلقًا وأكثر تعبدًا وأكثر إعمارًا للمساجد العمارة المعنوية، من تبكير إلى الصلوات وإحيائها بالتلاوة والقيام وتعليم العلم، أيضًا العمل على التآخي والبذل والإيثار، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، حتى كان طالب العلم من طلبة الشيخ ؒ يُطلب منه أن يذهب إلى منطقة نائية بعيدة لأجل القضاء أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والتعليم، فيذهب غير آبهٍ بما ينإله من المشقة ويصيبه من التعب؛ لأن العقيدة الصحيحة لها أثر يغلب على صاحبها في تعبده وسلوكه وفي أنواع تعامله ومحبته الخير للناس رغبةً فيما عند الله تعالى.

المعلم السادس:

هو أن تقرير التوحيد عند الإمام ؒ كان ظاهرًا أتم ظهور في الحض والدعوة إلى اتباع سنة النبي ، من حيث الأخذ بها في العمليات والاستدلال بها في العلميات، فكان هذا هو منهجه الذي يعلّمه للعامة في المسائل التي تشتبه على كثير من الناس، فيكون تقريره لها أسهل تقرير وأيسره وأوضحه.

فحين يسإله سائل حول بعض ما اشتهر وانتشر من البدع واستحسنه البعض من الناس؛ يكون جوابه: هل فعلها النبي ؟ هل فعلها الصحابة؟ فإذا قالوا: لا. كان الجواب واضحًا، حيث إنه يسَعُنا ما وسعهم، ولا ندخل في إشكالات كما دخل فيها طائفة من الناس حتى من الأذكياء والعلماء.

فمثلًا: مسألة المولد النبوي: أُلّفَتْ فيها الكتب، وكُتب حولها أكثر من مائة بحث، لكن الشيخ ؒ ربّى تلاميذه على اتباع السنة وتحكيمها، فيكون الفيصل في ذلك كلمة واحدة: هل فعلها النبي أم لم يفعلها؟ إذا لم يفعل لا نفعل. وهذه الوجازة في الأسلوب طريقة سهلة يسيرة، تقبلها الفِطَر وتُفتح لها القلوب.

فلم يتبع ؒ المنهج المعقد في تعريف البدع وفي المماحكة والمماراة حولها، وإنما جعل المسألة واضحة جدا لما علّم الناس فيها من انقياد مطلق لهدي النبوة؛ ولهذا قال ؒ في كشف الشبهات: «والعامي من الموحدين يغلِب الألفَ من علماء هؤلاء المشركين» ([8])! ذلك لأنّ معه الحق القليل الواضح القريب من الفطرة الذي يغلب به الكثير من الغثاء الباطل.

المعلم السابع:

أنّ من منهجه في تقرير العقيدة اعتماده ؒ تعالى -ومن سلك بعده في ذلك- بالرد التفصيلي على من خالف العقيدة في مسألة أو في أصل التوحيد والاعتقاد، ولأئمة الدعوة كما لا يخفى الرّدود الكثيرة على المخالفين، وهذا فيه فائدتان:

الفائدة الأولى: إنكار المنكر.

الفائدة الثانية: تقرير الحق وبيان المحجة وإقامة الحجة.

ولهذا فمن كان يهاجم دعوة التوحيد، ويسعى إلى تحسين عبادة الأولياء والذهاب إلى المشاهد والطواف حول الأضرحة أو الاستغاثة بالصالحين من الأموات أو نحو ذلك؛ رَدُّوا عليه بعلم وعدل، وحكمة وإنصاف.

بيان معالم هذا المنهج في هذه الكتب:

أولًا: كتاب التوحيد، فإن منهج الشيخ ؒ ظاهرٌ فيه، من حيث:

      تقرير التوحيد في الكتاب والسنة.

      مراعاة إجماع السلف، حتى إن الشيخ ؒ لما أتى على مسألة التمائم من القرآن قال: لما كانت التمائم من القرآن فقد... إلى آخره، فذكر فيها أنه قد أخطأ فيها جماعة إلخ... وهنا راعى ما اتفقوا عليه كما راعى أيضًا ما اختلفوا فيه.

      ننظر في كتاب التوحيد إلى أنه قرر الأولويات فيما قرره من مسائل، وبيّن أن أول ما يُدعى إليه هو التوحيد، وأنه أهم من الفرائض، وبيّن كيف يُعامَل المخالف أيضًا فيما ذكره من مسائل.

كتاب ثلاثة الأصول:

إذا أخذنا كتاب ثلاثة الأصول وهو مختصر صغير- أو الأصول الثلاثة وأدلتها وهو أوسع- نجد أن هذا الكتاب مبنيٌّ على شرح ما يهم المتعلم المبتدئ، في بيان واجب العلم، وواجب العمل، وواجب الدعوة، وواجب الصبر على ذلك، وفي بيان أصول الدين الثلاثة: معرفة العبد ربه، ومعرفة العبد دينه، ومعرفة العبد نبيه ، وأوضح ذلك باختصار لكل مسألة بدليلها.

تنبيه:

وهنا ننبه إلى أن البعض فهموا أن الشيخ ؒ قد وافق المعتزلة حين قرر أن دين الإسلام يؤخذ بالأدلة! وهذا غلط كبير؛ لأن المعتزلة ومن نحا نحوهم في المنهج العقلي لا يصح الإسلام عندهم إلا بالدليل العقلي، وأول واجب عندهم هو النظر أو الشك -على أقوال عندهم في ذلك- بمعنى النظر في الملكوت وفي الكون حتى تثبت بالعقل أنّ الله جل وعلا واحد في خلقه، وأنه هو الذي يُعبد بالعقل، أما الإمام ؒ ومِنْ قَبْلِهِ أئمة الإسلام وعلماء السلف فإنما يعنون معرفة الإسلام بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة.

كتاب فضل الإسلام:

فضل الإسلام هو كتاب في منهج الاتباع والسلوك والعمل، والموقف من البدع والابتداع، وأهله حتى في مسائل المسميات تكلم عنها المؤلف ؒ تعالى في هذا الكتاب؛ لأجل أن لا يظن الظانّ أنه يدعو إلى أن يسمى هو باسم خاص، وقد جاء بالدليل من الكتاب أو السنة وبعض أقوال السلف تعالى.

كتاب مسائل الجاهلية:

في هذه الرسالة عدّد الشيخ ؒ المسائل التي خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية؛ حيث ذكر في أول الرسالة أن الضد يُعرف حُسنه بضده، كما قال الشاعر:

والضدُّ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضّدُّ

وقال آخر:

وبضدِّها تتبيّنُ الأشياءُ

وهذا صحيح؛ إذ إنك تعرف من خلال هذا المختصر النافع ما كان عليه أهل الجاهلية، وتعرف ما أمر به الله جل وعلا في كتابه وما جاء في سنّة نبيّه من مخالفة لهم، في عبادة الله وحده ودعوته دونما سواه، وبيان ما كان عليه أهل الجاهلية في ذلك من إشراك غيره معه، وهكذا ما كانوا عليه في التوحيد أو في العمل والسلوك. فكان من منهجه ؒ في هذا الكتاب أنه قرر العقيدة بنصوص الكتاب والسنة؛ لكن عن طريق بيان الضد؛ لأنه لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية، كما جاء عن عمر أنه قال: «إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» ([9]).

فمن لم يعرف أحوال أهل الجاهلية ظن أن كل شيء جائز في الإسلام، كالذين دعوا غير الله جل وعلا، والذين بنوا القباب على الكنائس على القبور وجعلوها معابد، ونحوهم... كل هذا كان عليه أهل الجاهلية، وقد حذّر منها النبي ، فإذا أتى اليوم آتٍ وقال: هذا شيء لا بأس به. تبيّن بطلان قوله من خلال معرفة ما كان عليه أهل الجاهلية، واتّضحت دلالات النصوص وكيفية تنزيلها على واقع الناس.

هذه كلمات موجزة في هذا الباب، وكيفية منهج الإمام ؒ تعالى في تقرير العقيدة والتوحيد، تفتح آفاقًا دعوية وتربوية في فهم دعوته وطريقته، ولا شك أنّنا نرى أن هذه الدعوة بفضل الله جل وعلا وبرحمته ومنّته وعونه تنتشر وتنتشر، فاليوم لا تكاد تذهب إلى بلد وإلا وتجد فيه طائفة ينافحون عن هذه الدعوة ويدعون إلى ما كان عليه السلف الصالح من العلم والعمل؛ لكن الواجب عليهم زيادة العلم والاطلاع على هدي العلماء ومعرفة ما كانوا يسيرون عليه في تقريرهم للتوحيد والعقيدة والعمل والسلوك.

فكلُّ خيرٍ في اتّباع مَن سلَفْ

 

وكلُّ شرٍ في ابتداعِ مَن خلَفْ

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن حقق التوحيد وممن يدخلون الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب، كما نسإله سبحانه أن يرفع درجة الإمام الأواب، محمد بن عبد الوهاب، وأن يجزيه عنا خير ما جزى مصلحًا عن إصلاحه، وداعيًا عن دعوته، إنه على كل شيءٍ قدير، وهو بالإجابة جدير، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى إله وصحبه أجمعين.

 

* * *

 

 


 

 

كتاب التوحيد

وقول الله تعالى: ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ [الذاريات:56]، وقوله: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ الآية [النحل:36]. وقوله: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ الآية [الإسراء:23]. وقوله: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ الآية [النساء:36]. وقوله: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ الآيات [الأنعام:151].

قال ابن مسعود : «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمة فليقرأ قوله تعالى: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ إلى قوله: ﴿ ﭺﭻ ﭼ ﭽ [الأنعام:151-153]».

وعن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي على حمار فقال لي: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشّر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتّكلوا» أخرجاه في الصحيحين([10]).

الشرح:

يشتمل كتاب التوحيد على 66 بابًا، وهي أبواب عظيمة ومهمة لبيان التوحيد وتنقيته وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، وقد بدأ المؤلف ؒ بكتاب التوحيد، ويعتبر بمثابة التوطئة والمقدمة المهمة للكتاب.

معنى التوحيد لغة: هو مصدر وحَّد يوحد، أي: جعل الشيء واحدًا.

شرعًا: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

بدأ بأهم أمر وهو التوحيد ليبين موضوع الكتاب.

أقسام التوحيد ثلاثة:

- توحيد الربوبية.

- توحيد الألوهية.

- توحيد الأسماء والصفات.

أولًا: توحيد الربوبية:

وهو إفراد الله تعالى بأفعإله، من الخلق والملك والتدبير، فيعتقد العبد أن لا خالق إلا الله. ﴿ﮞﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ [الأعراف:54]. ﴿ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ [فاطر:3]. وهذا هو التوحيد الذي أقرَّت به النفوس، ولا يوجد له منكِرٌ إلا شواذّ وأفراد قلائل في الأمم، كفرعون الذي قال: ﴿ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ [القصص:38] وقال: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ [النازعات:24]، ومشركي الربوبية كالمجوس والنصارى الذين يشركون في ربوبيته سبحانه وتعالى ويدّعون أن له صاحبةً وولدًا، تعالى الله عما يقولون، وما عدا ذلك فالكفار كما قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ [النمل:14]. فهم ينكرونها بألسنتهم لكن قرارة النفس تقود العبد إلى الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله ، فهو الخالق المالك المدبر، ومن ألحد يُجادَل بالخلق، فليخلق ذرة أو حبة! بل العبد نفسه مخلوق، وقد أخرجه الله من بطن أمه لا يعرف شيئًا، ﴿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ [النحل:78].

وإذا أقرَّ العبد لله بالخلق فلا بد أن يُقرّ له بالـمُلك، إذ لا يستقيم أن يخلق هو ويملك غيره، فهو المالك لما خلق. فإذا أقر بالملك فلا بد أن يقر بالتدبير، وأن الله هو المدبر لما يملكه، والحاكم الذي لا يحكم غيره في خلقه وملكه، إذ كيف يكون ملكًا وهو لا يحكم؟ هذا محال حتى في منظور البشر.

ولهذا كان كفار مكة يقرّون بأنه سبحانه الخالق المالك المدبّر، كما قال تعالى: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚﯛ [العنكبوت:61]. ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ [يونس:31].

فكفار قريش مُقرّون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك عند الله؛ لأنهم لم يقرّوا بلازِمِه الذي هو توحيد الألوهية وتوحيد العبادة، فلم يعبدوه وحده سبحانه؛ لذا لم يُقبل منهم هذا الإقرار، ولم يدخلوا به في الإسلام، وأُمر النبي بقتإلهم كما قال: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله..» الحديث([11]).

ومعالم الربوبية في الأنفس والآفاق وفي كل طرفة عين تشهد بأن الله هو الخالق المدبر الذي خلق كل شيء سبحانه وتعالى، فكل ذرة في الخلق تشهد بلا إله إلا الله وتشهد بالتوحيد، ولو تأملنا كيف خُلق الإنسان وكيف أُخرج من بطن أمه، وكيف تدرج في هذه المراحل التي لا يعلمها إلا الله في ظلمات ثلاث، وفي هذا المكان، إنه الله جل وعلا.

فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، فهو معبودي ليس لي معبود سواه.

وإذا قيل لك: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقل أعرفه بآياته ومخلوقاته. قال تعالى: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪ [فصلت:37].

فمعالم التوحيد ومعالم الربوبية وبراهينها منتشرة في الآفاق وفي الأنفس، ولينظر الإنسان إلى الشمس والقمر، وإلى تعاقب الليل والنهار، هل توقفت الشمس يومًا؟ هل استمر الليل أو النهار سرمدًا؟ وهذه كلها معالم نراها صباحًا ومساء تحرك القلوب وتوقظ الفِطَر إلى وجود الخالق ووحدانيته سبحانه.

كذلك الطعام الذي نأكله دالٌّ على ربوبية الله ووحدانيته: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ [عبس:24]. وكذا السمع والبصر والفؤاد، وكل ذرة في بدن الإنسان تشهد بقدرة الله ووحدانيته.

فيا عجبًا كيف يُعصـَى الإله

 

أم كيف يـجحـدُهُ الجاحدُ

وفي كل شيءٍ له آيةٌ

 

تدلُّ على أنه الواحدُ

ثانيًا: توحيد الألوهية: وهو توحيد العبادة، وتوحيد القصد والطلب، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة، وهذا التوحيد هو الذي جادَل به المجادِلون وأنكره المشركون وتعجّبوا منه ورفضوا أن يعبدوا إلهًا واحدًا، فقالوا: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ [ص:5].

تعريف ابن تيمية لمفهوم العبادة:

عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة([12]).

وهذا التعريف جامعٌ مانع، يُخرج البدع من مفهوم العبادة؛ لأنها لا يحبها الله ولا يرضاها حتى وإن سميت عبادات أو ظهرت بمظهر العبادات، فهي لم تُضبط بضابط المتابعة، ومن أراد الوصول إلى رضى الله جلا وعلا فليس له إلا الطريق المحمدي وإلهدي النبوي.

شروط قبول العبادة:

كل عبادة لا بد أن يتوفر فيها شرطان، لا ينفع أحدهما بدون الآخر، وهما:

      الإخلاص لله تعالى.

      والمتابعة لرسوله .

فاذا اختل أحد هذين الشرطين فالعبادة مردودة على صاحبها، وهذا التوحيد هو الذي مِن أجله أُرسلت الرسل وأُنزلت الكتب، وخُلقت الجنة والنار، كما قال تعالى عن نبيّه: ﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ [الكهف:110].

فلا يدخل الجنة إلا من حقق الإلهية والعبادة لله جل وعلا، إذ التوحيد حسنة لا أعظم منها ولا أحسن أثرًا على صاحبها في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تعصم دمه ومإله، وفي الآخرة يستحق دخول الجنة ولا يخلد في النار حتى لو كان من أهل المعاصي، وبهذا يتبين فضل الرسالة المحمدية التي انتشرت في كل مكان وأخرجت الناس من الظلمات إلى النور، فالجدير بالمسلم أن يحافظ على حسنة التوحيد لتكون صافية نقية تؤهل صاحبها ليلقى ربه بقلب سليم منوّر بنور التوحيد، فإن نور التوحيد يضيء في القلب وينيره، فمن العباد من يكون نور التوحيد في قلبه كنور الشمس الساطع، ومنهم من يكون نوره كالكوكب الدرّي، ومنهم كالمصباح، وهكذا يتفاوت الناس في هذا بقدر إيمانهم وتوحيدهم وإخلاصهم وأخذِهِم كتاب الله بقوة، كما قال تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ [فاطر:32].

ولذا فمن أجل التوحيد سُفكت الدماء، وقام سوق الجهاد الذي هو سوق الآخرة، وفيه يبيع المؤمنون أنفسهم وأموإلهم لربهم بأن لهم الجنة، وهذا يدل على عظمة التوحيد الذي جاءت به الرسل وبذلوا أعمارهم في نصرته وتعبيد الناس لله تعالى وحده.

فهذا أول الرسل نوح بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ثم على نهجه سار الأنبياء والرسل: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ [الأنبياء:25]. ﴿ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ [النحل:36]. فما من نبي ولا رسول إلا دعا قومه قائلًا: ﴿ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ [الأعراف:59].

وهكذا نبينا محمد الذي بعثه الله والناس في جاهلية جهلاء، وغواية عمياء، قد تعرّضوا بشركهم وجهلهم لمقت رب الأرض والسماء، كما في حديث عياض بن حمار : «إنَّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم و عجمهم؛ إلا بقـايا من أهل الكتـاب..»([13]). والمقت هو أشد أنواع البغض؛ لأن الله نظر إلى أهل الأرض وقد عم فيهم الشرك والانحراف والفواحش، كالربا والزنا وشرب الخمور وقطع الطريق وقطيعة الرحم، وإذا وقع الشرك في الناس وقع فيهم الانحراف والرذيلة.

فجاء سراجًا منيرًا كما قال الله عنه: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ [الأحزاب:45-46]، وهذا وصف دقيق، حيث جعله سراجًا كالشمس، ومنيرًا كالقمر، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهادة، وصبر وصابر في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعوهم إلى التوحيد وتصحيح العقائد، ثم بعد إلهجرة نزلت الشرائع والأحكام، وهذا من التدرُّج الذي مضى عليه المؤلف وغيره من العلماء الأعلام من أئمة الإسلام، في دعوة الناس وتربيتهم، اقتداءً بإمام الموحدين وتأسِّيًا بسيد المرسلين محمد .

فدعوة التوحيد بها تغيرت النفوس، وتبدلت الأحوال، أعز الله بها بعد الذلة، وكثر بها بعد القلة، وأغنى بها بعد العيلة، وعلم التوحيد أنفع ما تعلمه المتعلمون، وأشرف ما درسه الدارسون، فهو أعظم العلوم وأجلُّها؛ لأنه متعلق بمعرفة الله تعالى وما يلحق ذلك من أصول الدين وأركان الإيمان، وكل علم يكون فضله ومنزلته بحسب ما يتعلق به، وكل علم من العلوم ينتهي نفعه لصاحبه بموته، إلا ما يتعلق بالله تعالى فهو باقٍ مع العبد إلى أن يلقى ربه, بل إنه بعد الموت يصبح يقينًا، فالعلم بالغيب والإيمان به أمور تتحقق للعبد بعد الموت فتصير عين اليقين وحق اليقين.

ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:

إن الإيمان بأسماء الله وصفاته هو القسم الثالث من أقسام التوحيد، وهو ضمن التوحيد العلمي، الاعتقادي، الخبري([14]).

ومعرفة هذا التوحيد والإيمان به من أكبر عوامل محبة الله عز وجل في القلوب وزيادتها، وكذلك من عوامل زيادة الإيمان([15]).

ومعنى الإيمان بهذا التوحيد: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله فيما ثبت عنه، على الحقيقة من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.

وأسماء الله تعالى كلها حسنى، قال تعالى: ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ [الأعراف:180].

ومعنى كونها حسنى: أن «كل اسم دالّ على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى.

فإنها لو دلّت على غير صفة، بل كانت علَمًا محضًا، لم تكن حسنى.

وكذلك لو دلت على غير صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص، أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح؛ لم تكن حسنى»([16]).

وكما أن الله تعالى قد تسمَّى بأسماء، فكذلك قد وصف نفسه جل شأنه بصفات كمال لا تليق إلا به، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فقد يتصف الله عز وجل بصفة لا يتسمى بها، على سبيل المثال: (الاستواء) صفة من صفاته سبحانه، لكننا لا نسميه مُستوٍ، وكذلك (الكلام) صفة من صفاته جل وعلا، لكن لا نطلق عليه اسم متكلم، فلا يدعو أحد فيقول: يا متكلم اغفر لي! وقس على هذا.

أما الأسماء فهي تدل على معانيها من الصفات، فكل اسم نثبت له ما يدل عليه من صفات الكمال، بخلاف المخلوق الذي قد يسمى سعيدًا وهو شقي، ويسمى أمينًا وهو خائن... لأن أسماء المخلوقين أعلام محضة.

وصفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:

أولًا: صفات ثبوتية.

كالسميع، والعليم، والقدير، والحي... وهي كلها صفات كمال.

وتنقسم الصفات الثبوتية إلى ثلاثة أقسام:

1- صفات ذاتية: وهي الصفات الملازمة لذاته سبحانه، لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والقدرة، والوجه، واليدين.

2- صفات إرادية: تتعلق بإرادته ومشيئته، كالكلام، والنزول، والمجيء...

3- صفات ذاتية فعلية: أي أن الله تعالى متصف بها أزلًا وأبدًا، وأنها في الوقت نفسه تحدث آحادها بمشيئته وإرادته، كالكلام.

ثانيًا: صفات سلبية.

وهي ما نفاها الله عز وجل عن نفسه، كقوله تعالى: ﴿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ [الكهف:49].

وهي قليلة، ولا تقتضي النفي المطلق، بل النفي فيها لإثبات ضدها من الكمال؛ لأن النفي المطلق لا كمال فيه ولا مدح، ولا يوصف به الجماد، كما يقال: الجدار لا يظلم. لعجزه وعدم قدرته، وهذا نقص يُنزَّه الرب عنه، فهو سبحانه لا يظلم لكمال عدله.

وكقوله تعالى: ﴿ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ [سبأ:3]، وذلك لكمال علمه([17]).

وتوحيد الأسماء والصفات من المسائل العظيمة التي تناولها علماء الأمة وبينوها؛ حيث إن هذا التوحيد يتعلق بالذات الإلهية، وبسببه انقسمت الفرق وكثر المتنازعون فيها، ما بين مُنكِر مُعطِّل، ومُكيّف ممثل، ومنهج أهل السنة والجماعة فيه هو الإيمان الكامل والتصديق الجازم بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، كما قال تعالى: ﴿ﭡﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ [الشورى:11]. وهذه الآية فيها ردٌّ على أهل البدع، فقوله: ﴿ﭡﭢ ﭣ ردٌّ على المشبهة، وقوله: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ردٌّ على المعطلة. فلو استدل المعطل بقوله: ﴿ﭡﭢ ﭣ على نفي صفات الله كالاستواء والسمع والبصر والعلو فيردّ عليه الشطر الآخر من الآية: ﴿ﭥﭦ ﭧ.

وهذا القسم من التوحيد هو الذي ضل فيه كثير من هذه الأمة لجهلهم بالله وأسمائه وصفاته سبحانه، كما قال ابن القيم ؒ عند ذكر الحُجُب التي تحجب عن الله تعالى: «والحجُب عشرة، الأول: حجاب التعطيل ونفي حقائق الأسماء والصفات، وهو أغلظها، فلا يتهيأ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله ولا يصل إليه البتة إلا كما يتهيأ للحجر أن يصعد إلى فوق»([18]).

فأول حجاب هو حجاب التعطيل وهو تحريف النصوص وتعطيل الصفات جهلًا بحجة التنزيه، وتشبيه الله بأصناف خلقه لا يوجد إلا في بعض طوائف الرافضة، لكن أغلب الفرق على التعطيل كالأشاعرة والمعتزلة والجهمية، وهم درجات وأقسام، فمنهم من ينكر بعض الصفات، ومنهم من يثبت بعضها، ومنهم من يثبت الأسماء دون الصفات كالمعتزلة، ومنهم من ينفى الأسماء والصفات كالجهمية.

ومعرفة الأسماء والصفات باب عظيم لمعرفة الله جل وعلا، وباب عظيم من أبواب الإيمان وسبب زيادته، وهو طريق العارفين بالله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ [الأعراف:180]. والإلحاد في الأسماء والصفات: هو الميل بها والعدول عن معانيها إلى معانٍ أخرى، وتأويلها على غير ما جاءت به النصوص، وهو أنواع ومراتب([19]):

1- جحودها ونفيها كما نفتها الجهمية وهذا أعظم الالحاد فيها.

2- تأوليها عما دلت عليه كما فعلت المعتزلة فإنهم يثبتون الأسماء ولكنهم ينفون معانيها وما تدل عليه من الصفات لان كل اسم منها يدل على صفة فالرحمن مثلا يدل على الرحمة.

3- تسمية المخلوقين بأسماء الله تعالى .. مثل المشركون سمو اللات من الإله , والعزى من العزيز.

4- أن يُدخل فيها ماليس منها.

ولهذا لـمّا سئل الإمام مالك ؒ عن صفة الاستواء، أطرَقَ برأسِهِ حتى عَلَاهُ الرَّحْضَاء أي: تغشّاه العرَق- ثم قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم قال للسائل: ما أراك إلا رجل سوء، ثم أمر به فأُخرج)([20]).

وهناك قواعد للأسماء والصفات ينبغي معرفتها وضبطها، فمن ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة عن النبي : «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»([21]). فأسماء الله تعالى ليست محصورة بتسعة وتسعين اسمًا، بل هي أكثر من ذلك، وهذا ما يقتضيه نص الحديث: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا»، أي: أنها من ضمن أسمائه سبحانه، وليس المقصود أنها كلها، فهناك أسماء لله لا نعلمها، كما جاء في الحديث: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك, أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»([22]). فدلَّ على أن لله أسماء لا نعلمها.

وما ورد في فضل إحصاء أسماء الله التسعة والتسعين، فإحصاؤها يستلزم ثلاثة أمور([23]):

ـ فهمها: وذلك بمعرفة معانيها على ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات ما لله جل وعلا من الأسماء والصفات وما ثبت في الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.

ـ حفظها.

ـ تَعبُّد الله تعالى بها.

فإذا علم العبد أن الله عليم، سميع، بصير، فإنه يتعبده بمقتضى ذلك، وأنه سبحانه يراه ويسمعه ويعلم بأحوإله وأقوإله.

وهكذا حين يؤمن بأن الله رحمن، رحيم، حكيم، شديد العقاب... كل ذلك له آثار في عبودية العبد وعلاقته بالله تعالى.

فكلما تعبد العبد بمقتضى تلك الأسماء والصفات وصل إلى درجة عظيمة من المراقبة والإحسان، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن، أن يعرف أسماء الله وصفاته، ويتعبده بمقتضاها، ويراقب الله في سلوكه حال خلوته وجلوته، وفي عبادته وصلاته وصيامه، وأخلاقه ومعاملاته، وهذه هي أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»([24]).

فهذا عرض عظيم: «من أحصاها دخل الجنة» لو صَحَت القلوب وصحَّت وصدقت مع الله لطارت فرحًا وشوقًا.


 

قال المؤلف ؒ: «».

فافتتح كتابه بالبسملة، وهذه هي طريقة العلماء، وأي كتاب لا يُفتتح باسم الله فهو أبتر، يعني: مقطوعًا ليس فيه بركة. كما جاء في حديث أبي هريرة وإن كان فيه مقال: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»([25]).

ولم يقدم لهذا الكتاب إلا بالبسملة، ولهذا نقول: البسملة هي اسم الله الأعظم الذي يُبتدأ به في جميع الأمور، وهو علامة البركة والخير، وهذا الاسم لفظ الجلالة- خاص بالله جل وعلا، ولا يُطلق على غيره، وأصله: الإله، ثم أُسقطت إلهمزة للتخفيف، وفُخّمَت اللام للتعظيم.

روى ابن جرير عن ابن عباس في معناه قال: «الله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين»([26]).

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ؒ: «الله علَمٌ على ربنا تبارك وتعالى، معناه: الإله، أي: المعبود»([27]).

وقال القرطبيؒ: «هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها.

حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسمَّ به غيره؛ لذلك لم يُثَنَّ ولم يُجمع. وهو أحد تأويلَي قوله تعالى: ﴿ﭚﭛ ﭜ ﭝ [مريم:65] أي: من تسمى باسمه الذي هو (الله).

فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه.

وقيل: معناه الذي يستحق أن يُعبد.

وقيل: معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال، والمعنى واحد»([28]).

واختلف العلماء في لفظ الجلالة: هل هو مشتق، أم غير مشتق ويجري مجرى الأعلام المحضة؛ على قولين:

الأول: أنه مشتق، وعزاه القرطبي إلى الأكثرين([29]).

ثم اختلفوا في مادة أصله واشتقاقه، فقيل: «إنه مشتق مِن لَاهَ يَليه، إذا ارتفع»([30]). وقيل: من «لاه يلوه، إذا احتجب»([31]).

وقيل: من «إلاهُ على فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مألوه، أي: معبود»([32]).

وذكر العلماء له اشتقاقات أخرى([33]).

القول الثاني: أنه علَمٌ مرتجل غير مشتق، ورجّحه الخطابي([34])، والغزالي([35])، وغيرهما([36]).

واستدلوا بأنه لو كان مشتقًّا لكان له معنى كلي يشترك معه فيه غيره.

وحيث انعقد الإجماع على أن (لا إله إلا الله) توجب التوحيد الخالص، فإن هذا ينفي كونه مشتقًّا؛ ولأننا إذا أردنا أن نصف ذاتًا نذكر الاسم أولًا، ثم نتبع ذلك بالصفات، كقولك: زيد عالم زاهد([37]).

قال ابن القيمؒ: «إن أُريد بالاشتقاق: أنه مستمد من أصل آخر فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألـمَّ بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دالٌّ على صفة له تعالى وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير والغفور والرحيم والسميع والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له»([38]).

ولهذا الاسم العظيم خواص ليست لغيره من الأسماء([39]):

1-  دلالته على جميع الأسماء والصفات بسائر الدلالات.

2-  إضافة سائر الأسماء الحسنى إليه، كقوله تعالى: ﴿ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ [الحشر:24]، وقوله تعالى: ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ [الأعراف:180].

3-  الابتداء به في جميع الأمور، وتعليق حتى الذبائح بذكره عليها.

4-  من قال: لا إله إلا الله، عصم دمه، ومإله، وحسابه على الله تعالى.

5-  اختصاصه بالقسم.

6-  افتتاح الصلاة به.

7-  أنه خاص بالله تعالى، فلا يتسمى به غيره؛ فلذلك لا يُثنَّى ولا يُجمع([40]).

ولهذا عدَّه بعض العلماء اسم الله الأعظم، وقد نُسب ذلك إلى بعض السلف.

روى ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد في قوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ [الفاتحة:1] قال: «اسم الله الأعظم هو الله، ألا ترى أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم»([41]).

ورجح ذلك ابن كثير([42]) وابن العربي([43]) تعالى.

قال ابن القيم: «لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية...» وسَاقها ؒ، ثم قال: «وأما خصائصه المعنوية فقد قال أعلم الخلق : «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»([44])، وكيف نحصي خصائص اسم لمسمّاه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح وحمد، وكل ثناء وكل مجد، وكل جلال وكل كمال، وكل عز وكل جمال، وكل خير وإحسان، وجود وفضل وبر، فله ومنه؟ فما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثّره، ولا عند خوف إلا أزإله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند همّ وغمّ إلا فرَّجه، ولا عند ضيق إلا وسَّعه، ولا تعلّق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أنإله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيًّا، ولا مستوحش إلا آنَسَهُ، ولا مغلوب إلا أيّده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه. فهو الاسم الذي تُكشف به الكربات، وتُستنزل به البركات، وتُجاب به الدعوات، وتُقال به العثرات، وتُستدفع به السيئات، وتُستجلب به الحسنات. وهو الاسم الذي قامت به الأرض والسموات، وبه أنزلت الكتب، وبه أُرسلت الرسل، وبه شُرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شُرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقَّت الحاقة، ووقعت الواقعة، وبه وُضعت الموازين القسط، ونُصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار، وبه عُبد رب العالمين وحُمد، وبحقه بُعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر ويوم البعث والنشور، وبه الخصام وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سعد من عرفه وقام بحقه، وبه شقي من جهله وترك حقه; فهو سر الخلق والأمر، وبه قاما وثبَتا، وإليه انتهيا، فالخلق به وإليه ولأجله، فما وُجد خلق ولا أمر، ولا ثواب ولا عقاب، إلا مبتدئا منه، ومنتهيا إليه. وذلك مُوجبه ومقتضاه.. ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ [آل عمران:191] » إلى آخر كلامه ؒ تعالى([45]).

ولفظ الجلالة ترجع إليه الأسماء، وهو من أصول أسماء الله، فأصول الأسماء ثلاثة:

(الله ـ الرب ـ الرحمن).

قال تعالى: ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯫﯬ ﯲﯳ [الحشر:22-24].

والرب: معناه «السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلح الذي أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر»([46]).

و﴿ﭓ ﭔ صفتان لله تعالى، ﴿ صفة عامة، والرحيم صفة خاصة للمؤمنين.

وهذه من الأسماء العظيمة التي تبدأ بها البسملة: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ، وتُفتتح بها سور القرآن الكريم، وفي فاتحة الكتاب يقول تعالى: ﴿ﭓ ﭔ.

قال ابن جرير ؒ: «إن بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال»([47]).

وقيل في الفرق بين الرحمن والرحيم:

إن الرحمن لا يطلق إلا على الله تعالى اسمًا وصفةً، وأما الرحيم فيطلق على الله تعالى وعلى غيره، قال تعالى: ﴿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ [التوبة:128].

وقيل: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم؛ لدلالة الرحمن على عموم الرحمة، وخصوص الرحيم بالمؤمنين؛ ولأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى([48]).

وقال ابن القيم ؒ: «الرحمن: من صفته الرحمة، والرحيم: من يرحم بالفعل»([49]).

قال المؤلف ؒ: «قال تعالى: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ [الذاريات:56]».

فهذه الآية فيها بيان الغاية والمقصود من خلق الله للعباد، وأنهم ما خُلقوا إلا للعبودية.

﴿ﭳ ﭴ أي: ما أوجدتُ الجن والإنس إلا للعبادة.

﴿ﭷ ﭸ «اللام» للتعليل وبيان الحكمة والغاية من خلق الثقلين، وهذا يدل على أن الجن أيضًا مكلفون بالشريعة وبالرسالات، ولهذا منهم مؤمن ومنهم كافر.

﴿ﭷ ﭸ فسَّرها ابن عباس أي: يُوحّدونِ. ولهذا أكرم الله جل وعلا العباد بإرسال الرسل الذين أفنوا أعمارهم في بيان هذا الطريق والدلالة على الله جل وعلا.

وتكملة الآية: ﴿ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ [الذاريات:57] وهذه فيها تدبر عجيب، فإن الرزق مكفول مكتوب، والغاية التي طلبها الله منا هي العبودية له سبحانه، فلا ينبغي أن ننشغل بما كُتب لنا ونهمل ما فُرض علينا، فمن عبد الله كفاه الله ما أهمّه ويسَّر له أسباب رزقه.

فينبغي أن نعرف كيف نحقق العبودية التي هي الأصل والغاية من الخلق، كما ينبغي أن نربي الجيل على التوحيد ونعظم فيهم الغاية التي خُلقوا من أجلها.

قال المؤلف ؒ: «﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ [النحل:36] ».

وهذا فيه بيان الغاية التي أرسل الله من أجلها الرسل، وهي دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى.

قوله: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ [النحل:36].

هذه المسألة تتعلق بأركان «لا إله إلا الله»، فـ«لا إله» نفيٌ لجميع ما يُعبد من دون الله. و«إلا الله» إثبات العبادة لله وحدة لا شريك له.

فلا تتم عبودية الله إلا بالكفر بالطاغوت؛ ولهذا كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، قال تعالى: ﴿ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕﰖ ﰗ ﰘ ﰙ [البقرة:256]. وقد بدأ بذكر الكفر بالطاغوت؛ لأن ذلك يمثل تخلية القلب عن غير الله، وبعد ذلك يكون الإيمان بالله تعالى، وهذا هو تفسير التوحيد ومعنى لا إله إلا الله.

ثم استدل المؤلف بقوله تعالى: ﴿ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ [الإسراء:23]. وهذه من الآيات التي تبين أولوية التوحيد، وأنه أول واجب ينبغي أن يتعلمه العبد.

﴿ﮗﮘ قضاء الله ينقسم إلى قسمين: قضاء شرعي، وقضاء كوني.

ومعنى قضى هنا أي: شرع وأوجب.

﴿ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ فالتوحيد أول واجب وأعظم فرض.

ولذلك فإن أول ما يُدعى العبد إليه هو التوحيد، كما في حديث معاذ بن جبل ([50]) لمّا بعثه النبي إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموإلهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»([51]).

قوله: «كُنْتُ رَدِيفَ النبي »: ويروى: (رِدْف) بسكون الدال من غير ياء، وكلاهما لغتان صحيحتان، ويقصد بهما: الراكب خلف الراكب، وأكثر ما يستعمل الإرداف في البعير، ومعاذ كان رديفا للنبي على حمار اسمه (عُفَير)، وفي هذا بيان جواز الإرداف على الحمار، وفيه أيضا تسمية الدابة.

وحديث معاذ فيه بيان عظم كلمة التوحيد وبيان فضلها، حيث بيَّن فيه النبي حقين كلاهما مرتبط بكلمة التوحيد:

الأول: حق الله على العباد.

والثاني: حق العباد على الله تعالى.

وفي حديث أنس قال رسول الله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ» قَالَ معاذ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذا يَتَّكِلُوا» فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ تَأَثُّمًا([52]).

فهذا الأمر الأول الذي يُدعى إليه كل من أراد الدخول في الإسلام، وهو أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ومن أشرك مع الله معبودًا لم يُقبل منه عمله، كما قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»([53]). فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا الخالص الذي لا يشوبه شرك أصغر ولا أكبر، كما في الحديث: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه»([54])، فمن لم يحقق التوحيد لم تنفعه عبادته ولم يُقبل عمله. كما قال تعالى عن المشركين: ﴿ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ [الفرقان:23]. فلو جاء العبد بأعمال كأمثال الجبال ولم يحقق التوحيد لم تُقبل منه، والعكس كذلك، فلو جاء محقق للتوحيد ولقي الله بالذنوب والخطايا تقبّل الله منه اليسير من عمله، ثم هو تحت المشيئة، فإن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لكنه إذا عُذّب لا يخلد في النار، وهذا ما عليه اعتقاد أهل السنة والجماعة، فما دام العبد موحدًا فهو بخير وإلى خير، حتى وإن كان من أصحاب الذنوب والمعاصي، وما دامت عنده حسنة التوحيد فهو من أهل الأمن الذين قال الله فيهم: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ [الأنعام:82]. والمراد بالظلم هنا: الشرك. فالذين لم يلبسوا إيمانهم بشرك هم الذين اختصهم الله بالأمن.

واستدل المؤلف أيضًا بقوله تعالى: ﴿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ [النساء:36].

وهذه الآية دالة على معنى التوحيد وتفسيره إثباتًا ونفيًا، وهي متضمنة لتفسير «لا إله إلا الله» من الأمر بعبودية الله جل وعلا والتحذير من الشرك. وقوله: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ نهي، والنهي يقتضي التحريم والمنع. قوله: ﴿ نكرة في سياق النفي، وهي تشمل التحذير من كل شيء يُشرك به من دون الله مهما دقَّ أو صغر، فلا يُشرك بالله ولا ينصرف القلب إلى غير الله كائنًا من كان، بل ينبغي أن يجرَّد التوحيد لله تجريدًا صافيًا من كل ما يشوبه، وإن كان أدقَّ شيء وأصغره مما قد لا يراه الناس شركًا، كما جاء عن طارق بن شهاب أن رسول الله قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مَرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب! قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب! فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة»([55]).

فليست العبرة بكبر العمل أو صغره، إنما العبرة بالمقاصد والنوايا، فقد يكون العمل يسيرًا هينًا في نظر الناس، وهو عند الله شرك أكبر يوبق على العبد دنياه وآخرته.

وقال تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ [الأنعام:151].

وهذه من الوصايا العظيمة التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام، فقد بدأ بالمحرمات، وبدأ بالشرك وهو أعظم شيء حرَّمه الله على عباده.

قال ابن مسعود : «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمة فليقرأ قوله تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ إلى قوله: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ الآيات [الأنعام:151-153]».

فبدأ بأعظم شيء وهو الشرك، ثم تدرج بها على حسب الأهمية، فجاء الأمر بالوصية بالوالدين بعد تحريم الشرك، وهذا في سورة الأنعام والإسراء؛ لبيان أن أعظم حق على الإنسان بعد حق الله هو حق الوالدين.

ثم أورد المؤلف ؒ حديث معاذ بن جبل ([56]): «كنت رديف النبي على حمار فقال لي: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشّر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا».

وهذا حديث عظيم في بيان فضل التوحيد ومنزلته وأثره في تكفير الذنوب.

في الحديث: جواز الإرداف على الدابة، وفضيلة معاذ بأنْ أردفه النبي خلفه، وتواضع النبي حيث ركب الحمار وأردف عليه وهو سيد الأولين والآخرين.

فائدة: كان للنبي أسلوب رائع في تربيته وتعليمه لأصحابه، حيث كان إذا خلا ببعض أصحابه أعطاه وصية وعلّمه شيئًا يختلف عن غيره.

ومن المسائل: سؤال النبي واستفهامه لتشويق المتعلم ولفت انتباهه.

وجواب معاذ بقوله: «الله ورسوله أعلم» دليل على أدبه وأنه لم يقل شيئًا ولم يخُض في الجواب بلا علم، إنما أوكل الجواب إلى من يعلمه وردَّ ذلك إلى الرسول ، وهكذا ينبغي لكل من سئل عن علم لا يعلمه أن يردّ بقوله: الله أعلم.

قوله: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» وهذا يدل على أن أول واجب على العباد هو التوحيد ونفي الشرك، وهذه العبارة اشتملت على النفي والإثبات: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا».

قوله: «وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا»، وهذا الحقُّ حقٌّ أحقَّه الله على نفسه، فلا يجوز أن يقال: يجب على الله؛ كما يدّعيه بعض أهل البدع، إنما هو حق أوجبه الله على نفسه فضلًا منه ورحمة، ونحن عبيده، وهنيئًا لمن شرَّفه الله بالعبودية له، فهي أعظم مقام وأشرف منزلة.

ولقد استبشر معاذ بهذا، واستأذن النبي أن يبشر الناس بذلك، فقال: «ألا أبشر الناس» ففيه استحباب بشارة المسلم بما يسرُّه، وهذا منهج الصحابة ، كانوا يحبون أن يبشر بعضهم بعضًا بالخير، وهكذا ينبغي للعبد أن يحرص على أن يتمثل قوله : «بشّروا ولا تنفّروا»([57]) فهذا يُدخل السرور على المسلمين وهو من الاعمال العظيمة التي يحبها الله تعالى، كما في الحديث: «أحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم»([58]).

لكن قد تُترك البشارة أحيانًا لمصلحة راجحة، كما قال النبي هنا: «لا تبشرهم فيتكلوا» أي: يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في الخير والمبادرة إلى الأعمال الصالحة، فكان هذا عِلمًا خاصًّا خُصّ به معاذ، فما كل الناس يفهم ما جاء عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله.

وفي رواية: «فأخبر به معاذ عند موته تأثما» أي: خوفًا من إثم كتمان العلم.

 

 

***

 


 

المسائل المتعلقة بالباب:

الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.

الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.

الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله تعالى: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ [الكافرون:3].

الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.

الخامسة: أن الرسالة عمَّت كل أمة.

السادسة: أن دين الأنبياء واحد.

السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت؛ ففيه معنى قوله: ﴿ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ [البقرة:256].

الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبِد من دون الله.

التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.

العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ [الإسراء:22] وختمها بقولـه: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ [الإسراء:39] ونبَّهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ [الإسراء:39].

الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ [النساء:36].

الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله عند موته.

الثالثة عشرة: معرفة حق الله تعالى علينا.

الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.

الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.

السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.

السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسرُّه.

الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.

التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.

العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.

الحادية والعشرون: تواضعه لركوب الحمار مع الإرداف عليه.

الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.

الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.

الرابعة والعشرون: عظم شأن  هذه المسألة.

 

* * *

باب فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب

وقول الله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ [الأنعام:82].

عن عبادة بن الصامت ([59]) قال: قال رسول الله : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». أخرجاه([60]). ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»([61]).

وعن أبي سعيد الخدري ([62]) عن رسول الله قال: «قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: يا موسى: قل لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع - وعامرهن غيري - والأرضين السبع في كفة، ولا إله الله في كفة، مالت بهن لا إله الله» رواه ابن حبان، والحاكم وصححه([63]). وللترمذي وحسنه عن أنس([64]) : سمعت رسول الله يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة»([65]).

الشرح:

بدأ المصنف ؒ تعالى بشرح هذا الباب (فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) بأمرين مهمين:

1- بيان ما يضاد التوحيد.

2- بيان ما يكفّر من الذنوب.

وما يكفره التوحيد من الذنوب يعتبر من ثمار وفضائل التوحيد، فهو من إدخال الخاص في العام، وهذه مسألة عظيمة جاء بها المصنف بعد كتاب التوحيد؛ ترغيبًا في التوحيد وبيان فضله، وفضائل التوحيد كثيرة عظيمة، منها أن أهل التوحيد هم أهل إلهداية كما سيأتي في شرح الآية.

وقد ذكر الإمام السعدي ؒ تعالى جملة من فضائل التوحيد في كتابه «القول السديد في شرح كتاب التوحيد»([66]):

«ومن فضائله:

أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما.

ومن أجَلِّ فوائده: أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل.

وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.

ومنها: أنه يحصّل لصاحبه إلهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة.

ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه.

وأن أسعد الناس بشفاعة محمد مَن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه.

ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمإلها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.

ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات، ويسلّيه عند المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه.

ومنها: أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.

ومنها: أنه يخفف عن العبد المكاره ويهوّن عليه الآلام، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يكون تلقّيه المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.

ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رقِّ المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي، ويكون مع ذلك متإلّهًا متعبدًا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.

ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحقُّقًا كاملًا بالإخلاص التام؛ فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعمإله وأقوإله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السموات والأرض وعُمّارها من جميع خلق الله، كما في حديث أبي سعيد المذكور في الترجمة، وفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلًّا من الذنوب، كل سجِلٍّ يبلغ مدّ البصر؛ وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد.

ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفَّل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف، وحصول إلهداية، والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال.

ومنها: أن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمنُّ عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره.

وشواهد هذه الجُمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة والله أعلم» انتهى كلامه ؒ تعالى.

وهذه فضائل عظيمة تجعل العبد يفرح ويسعد بتوفيق الله له إلى التوحيد ونيل هذا الشرف العظيم الذي يكرم الله تعالى به من يشاء من عباده ويجعله من أهله.

هذا بيان في ترجمة هذا الباب، وهي فضائل التوحيد، ونبدأ بشرح الآيات:

قوله: «وقول الله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ الآية [الأنعام:82]».

هذه الآية التي بدأ بها المؤلف هذا الباب، وتفسيرها: ﴿ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ [الأنعام:82]، أي: لم يخلطوا إيمانهم وتوحيدهم بظلم الشرك؛ والظلم معناه هو الشرك باتفاق المفسرين، فخصهم الله بقوله: ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ [الأنعام:82].

وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين ؒ تعالى في تفسير هذه الآية أن الأمن ينقسم إلى قسمين: أمن تام، وأمن ناقص. أما الأمن التام فهو لأهل التوحيد الكامل الذين لم يخلطوه بالمعاصي، وهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فلهم يوم القيامة الأمن الكامل. وهناك أهل الأمن الناقص، وهم الذين خلطوا الإيمان والتوحيد بالمعاصي والذنوب، فهم تحت المشيئة، إن شاء الله عذّبهم وإن شاء غفر لهم، وإن عذبهم في النار فإن لهم نصيب من الأمن وهو أمنهم من الخلود فيها([67]).

وينقسم الظلم هنا إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الإشراك بالله. ففيه تعَدٍّ على حقوق الله تعالى، وهو أظلم الظلم، وهو المراد به في هذه الآية.

القسم الثاني: ظلم الإنسان لنفسه. وهو نوعان: ظلم النفس بارتكاب الذنوب والمعاصي، والتعدي عليها بمنع حقوقها أو مجاوزة الحد، كمن يصوم ولا يفطر، أو يقوم ولا ينام، أو يحرّم على نفسه شيئًا مما أحل الله كالنكاح المباح، كما جاء في قصة الثلاثة الذين «جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ، يسألون عن عبادة النبي ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ؟ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([68]).

القسم الثالث: التعدي على الآخرين بأنواع الأذى والبغي القولي أو الفعلي.

وقد أورد المؤلف ؒ هذه الآية في هذا الباب ليبين فضل التوحيد وأن أهله هم أحق الناس بالأمن وإلهداية.

ثم قال ؒ: «عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجاه».

وهذا الحديث من أعظم الأحاديث التي جمعت الأصول وبيّنت الأمور التي بها نجاة العبد من النار، فينبغي للعبد أن يتدبرها وينتبه الى تحقيق العقيدة فيها.

وهنا نتأمل الأمور المذكورة في الحديث ونبدأ بها واحدًا واحدًا:

فقوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» أي: من نطق بها عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، و(مَن) شرطية، وجوابها: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين بمدلولها ومعناها؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ [محمد:19]، وقال تعالى: ﴿ [الزخرف:86]. أما من قإلها غير عالم بمعناها ولا متيقن من مدلولها فإنها لا تنفعه، فيكون حإله كحال المنافقين الذين قالوها بألسنتهم ولم تنعقد عليها قلوبهم، فلم تنفعهم ولم تنقذهم من عذاب الله، بل إنهم في الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله.

فشهادة التوحيد لابد أن ينعقد عليها القلب، ولابد أن تتوفر شروطها السبعة، وهي:

- العلم المنافي للجهل.

- اليقين المنافي للشك والريب.

- الإخلاص المنافي للشرك والرياء.

- الصدق المنافي للكذب.

- المحبة المنافية للبغض والكره.

- الانقياد المنافي للترك والعناد.

- القبول المنافي للرَّد.

هذه هي شروط لا إله إلا الله التي لا تُقبل إلا بها مجتمعة لتكون مُنجيةً لصاحبها عند الله تعالى.

قال القرطبي في المُفهم على صحيح مسلم:

«(باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابد من استيقان القلب) هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة، القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهبٌ معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها؛ ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح. وهو باطل قطعًا»([69]).

وقال النووي في الكلام على الحديث السابق: «هذا حديث عظيم الموقع، وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه جمع فيه ما يُخرج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم وتباعدها»([70]).

وتحقيق الشهادة قولًا وعملًا واعتقادًا هو ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.

ومعنى «لا إله إلا الله» أي: لا معبود بحق إلا الله. وهي كلمة التوحيد التي تُدخل العبد في الإسلام، فإذا قال: «لا إله إلا الله» دخل في الإسلام وعُصم دمه ومإله، وحسابه على الله.

«وأن محمدًا عبده ورسوله» وهذا هو الشرط الثاني لدخول الجنة المذكور في الحديث، وهو الإيمان بمحمد ، وقد جمع هنا بين العبودية والرسالة، وفي هذا رد على من يغلون فيه ويرفعونه فوق منزلته، كما أنه رد على من يهضم حقه ولا ينزله المنزلة اللائقة به.

والإيمان بمحمد يقتضي عدة أمور: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع .

وقد جاء بالأوامر والنواهي والأخبار والتشريع. فواجبنا نحو الأوامر الطاعة، ونحو الأخبار التصديق، ونحو النواهي الاجتناب والحذر، واتخاذه قدوة حسنة ومثلًا أعلى يُقتدى به مطلقًا من دون الناس؛ إذ ليس هناك طريق يوصل إلى الله تعالى وإلى جنته إلا الطريق المحمدي وإلهدي النبوي، فمن اتبع طريقًا غير هذا الطريق فقد ضل الصراط المستقيم وزاغ عن الطريق القويم؛ ومن زعم أن هناك طريقًا يوصل الى الله غير طريق محمد فقد أتى ناقضًا من نواقض الإسلام.

كما أن من حقوقه علينا محبته وتعزيره وتعظيمه وتوقيره، وهذا من جملة حقوقه التي تقتضيها شهادة أن محمدًا رسول الله، فتكون محبته فوق محبة المال والولد بل والنفس، ويلحق بذلك محبة صحابته وآل بيته، ونصرته في حياته وبعد موته بنصرة سنته ونشر هديه وسيرته وأن نربي عليها أنفسنا وأبناءنا وبناتنا ونعلمهم إياها، إذ كيف نطبق السنة ونقتدي بهدي النبوة ونحن لم نقرأها ولم نتعلمها ولم نشرحها ونتفهمها؟

بالمقابل: يجب أن يحذر المسلم من الغلو في مقام النبوة، كما عليه بعض أصحاب الطرق الذين قد يرفعونه إلى مرتبة الألوهية ويدّعون له ما ليس له من خصائص الألوهية والربوبية، كادعاء أنه يسمع الدعاء وأنه يشفي المريض ويغيث الملهوف، وهذا انحراف عما أراده رسول الله ، ووقوع فيما حذر منه أمته، حيث قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»([71]).

بدعة الموالد والاحتفالات:

ومن ذلك: ما ابتُليت الأمة في هذه الأزمنة بما يفعله أقوام من إحياء الإحتفالات بيوم 12ربيع الأول زعما أنه يوم مولد المصطفى ، وجعلوه عيدا يتكرر كل عام، ومارسوا فيه طقوس وعبادات لادليل عليها لامن كتاب ولاسنة، وإنما استحسنها أناس وشرعوا للعباد شرائع ماأنزل الله بها من سلطان.

وهذا من إحداث البدع التي حذر منها النبي وبين أن أنها مهلكة، فقال : «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وهذه الموالد لم تشرع إلا بعد القرن الرابع، فكيف تكون من سنته وهي لم تُعرف في القرون المفضلة، ولم تعرف في حياته ولا أقامها أحد من أصحابه؟ فهل يعقل أن يكون هؤلاء أشد حبًا له من أصحابه ؟! وهل يعقل أن يكون هذا الأمر من السنة وهو ولم يعرف فيهم ولا ورد فيه حديث يبين استحبابه أو الأمر به؟ وليس لهم دليل إلا أنهم مستحسنون لما فعلوا، لكنهم بهذا قد انحرفوا عن السنة.

إن الإسلام يقوم على أصلين عظيمين:

الأول: الإخلاص لله تعالى.

الثاني: المتابعة لهدي المصطفى .

قال تعالى: ﴿ﰐﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ [الكهف:110].

يقول ابنُ القيِّم ؒ: «هذا هو العمل المقبول، الذي لايَقبلُ اللهُ من الأعمال سواه، وهوأن يكون موافقًا لسنة رسول الله مُرادًا به وجهُ الله»([72]).

وقال الشيخ ابن عثيمين ؒ: «وليعلم أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشريعة في أمور ستة: سببه، وجنسه، وقدره، وكيفيته، وزمانه، ومكانه فإذا لم توافق الشريعة في هذه الأمور الستة فهو باطل مردود، لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه»([73]).

والله سبحانه قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، قال تعالى: ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ [المائدة:3].

وقد ختم الشرائع ببعثة رسولنا محمد الذي لم يترك أمر خيرٍ إلا دلَّ أمته عليه، ولا أمر شرٍ إلا حذرها منه، وأمر بطاعته واتباع هديه، وجعل اتباعه علامة المحبة والصدق، فقال تعالى: ﴿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [آل عمران:31], وقال تعالى : ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ [الأنعام:153].

وافترض الله علينا محبته ، فلا يقوم إيمان العبد حتى يحب رسول الله أكثر من نفسه ومإله وولده والناس أجمعين.

كما جاء عن أنس قال: قال رسول الله : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»([74]).

ومن لوازم محبته: طاعته واتباع هديه وعدم الخروج على شرعه بأي وجه كان، والإيمان بأنه أتم الدين وبلغ الرسالة وحذرنا من البدع.

فقد قال : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([75]). وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»([76]).

قال الحافظ ابن رجب ؒ: «المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه»([77]).

وقال أيضاً: « فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة..وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال ..»([78]).

قال تعالى: ﴿ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ [النساء:66].

فالخيرية والثبات، في الإتباع وليس في الابتداع.

ومن هنا فإن القول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي قول مخالف للأدلة الصحيحة ومقاصد الدين، ومنها:

أولًا: أنه بدعة مستحدثة لم يفعلها الصحابة ولا التابعين ومن بعدهم، وهم خير القرون وأشد حبًّا واتباعًا لسُنَّته .

وهذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلابد أن يكون موجودا قبل موت الرسول ، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين.

ومعلوم أن بدايته في القرن الرابع، وشئ لم يفعله النبي ولا صحابته ولاسلف الأمة، فلا خير فيما لم يفعلوه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.

قال الحافظ السخاوي: «عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد»([79]).

وقال يوسف الرفاعي: «إن اجتماع الناس على سماع قصة المولد النبوي الشريف، أمر مستحدث بعد عصر النبوة، بل ما ظهر إلا في أوائل القرن السادس إلهجري»([80]).

وقال الإمام الشوكاني ؒ: «لم أجد إلى الآن دليلاً يدل على ثبوته من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا استدلال، بل أجمع المسلمون أنه لم يوجد في ﻋﺼﺮ ﺧﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﻭﻥ، ﻭﻻ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﻮﻧﻬﻢ، ﻭﺃﺟﻤﻌﻮﺍﺃﻥ ﺍﻟﻤﺨﺘﺮﻉ ﻟﻪ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺍﻟﻤﻈﻔﺮ ﺃﺑﻮ ﺳﻌﻴﺪ ﻛﻮﻛﺒﻮﺭﻱ ﺑﻦ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺳﺒﻜﺘﻴﻦ، ﺻﺎﺣﺐ ﺃﺭﺑﻞ، ﻭﻋﺎﻣﺮ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻟﻤﻈﻔﺮﻱ ﺑﺴﻔﺢ ﻗﺎﺳﻴﻮﻥ، ﻭﺇﺫﺍ ﺗﻘﺮﺭ ﻫﺬﺍ، ﻻﺡ ﻟﻠﻨﺎﻇﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺠﻮﺍﺯﻩ - ﺑﻌﺪﺗﺴﻠﻴﻤﻪ ﺃﻧﻪ ﺑﺪﻋﺔ، ﻭﺇﻥ «ﻛﻞ ﺑﺪﻋﺔ ﺿﻼﻟﺔ» ﺑﻨﺺ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ - ﻟﻢ ﻳﻘﻞ ﺇﻻ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﺿﺪ ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ»([81]).

«ويرجع تاريخ ظهور هذه البدعة إلى الدولة العبيدية التي تسمت بالدولة الفاطمية، حيث أحدثت هذه البدعة لجذب قلوب الناس إليها، والظهور بمظهر من يحب رسول الله ، مع أنها من أكثر الدول التي فشا فيها الإلحاد والزندقة تحت شعار التشيع وحب آل البيت، فأحدثوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد علي ، ومولد فاطمة ، ومولد الحسن والحسين ، ومولد الخليفة الحاضر في ذاك الزمان، وعن طريقهم انتشرت الموالد وراجت رواجا كثيرا لدى الصوفية»([82]).

ثانيًا: أنه اتُّخذ عيدًا.

ومعلوم أن أعياد المسلمين هي عيدا الفطر والأضحى، ولايجوز استحداث عيد ثالث؛ فعن أنس بن مالك قال: كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي المدينة قال: «كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر ، ويوم الأضحى»([83]).

قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم:

«وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا([84]) محدثٌ لا أصل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم.. مَنِ اتخذ ذلك اليوم عيدًا، حتى يحدث فيه أعمالًا؛ إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع، وللنبي خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا. وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى أعيادًا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع. وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه. وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى ، وإما محبةً للنبي وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده- فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص»([85]).

ثالثًا: - وهو أعظم من كل ما سبق - ما ترتب على إقامة هذه الموالد من البدع والشركيات، كالغلو في حق النبي ، والإستغاثة به، ودعائه من دون الله.

وهو القائل : «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ،فَإِنَّمَا أَنَاعَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ »([86]).

ومن أمثلة ما يحدث في هذه الموالد من مظاهرالغلو: إنشادهم قصيدة البردة للبوصيري التي هي من أشهر المدائح النبوية، وقد سماها (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) لكنه وضع السم في الدسم، وأفسد الشكر بالشرك, فغلا فيها غلوًّا فاحشًا وسار على طريقة النصارى في غلوهم في عيسى ابن مريم .

ومن أقوإله في قصيدته:

دعْ ما ادَّعتهُ النصارى في نبيهمُ

 

واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكمِ

ومن أقوإله الشركية:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

 

سواك عند حلول الحادث العممِ

إن لم تكن في مَعادي آخذًا بيدي

 

فضلاً وإلا فقـل يا زلَّة القدمِ

ومن غلوِّه فيها قوله:

فإنّ مِن جودك الدنيا وضرَّتها

 

ومن علومك علم اللوح والقلمِ!

فجعله يعلم الغيب، بل لم يجعل ما في اللوح المحفوظ إلا علمًا من علوم النبي ، وحاشاه أن يدَّعي مثل هذا لنفسه.

ومن أبيات هذه القصيدة قوله:

لا طيب يعدل تربًا ضمَّ أعظُمَهُ

 

طوبى لمستنشقٍ منه وملتثمِ

فهل يشرع استنشاق القبر وتقبيله؟!

قال شيخ الإسلام: «واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ولا يقبله؛ وهذا كله محافظة على التوحيد»([87]).

ومن تماديه في الغلو قوله:

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة مَن

 

لولاه لم تخرج الدنيا من العدمِ!!

وهذا من الغلو الفاحش؛ إذ زعم أن الدنيا لم تُخلق إلا من أجله ، والله تعالى يقول: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ [الذاريات:56]، وهل يشك مسلم أن هذه الأقوال تتضمن تعدّيًا صريحًا على جناب التوحيد؟!

ومن هنا فحتى لو قيل بعدم بدعيته لكان محرمًا على كل حال، لما آل إليه من الشرك والمخالفات والبدع؛ يوقن بهذا كل من له أدنى فهم لمقاصد الشريعة وما تقتضيه من (سد الذرائع) المفضية إلى القدح في العقيدة والشريعة.

رابعًا: التشبه بأهل الكتاب.

فالاحتفال بالموالد أصله تقليد مأخوذ من عادات النصارى، فالنصارى هم من ابتدأ الاحتفال بأعياد الميلاد، ثم انتقلت هذه العادة إلى بعض المسلمين لما ضعف فيهم العلم وفشا فيهم الجهل.

خامسًا: الإسراف والتبذيروالمعاصي التي تصاحب هذه الاحتفالات.

ومن أمثلة ذلك: ماذكره السيوطي في الحاوي: «أن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد قد أعد سماطًا في أحد الموالد التي يقيمها وضع عليه خمسة آلاف رأس غنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبديَّة، وثلاثين ألف صحن حلوى، وأنه أقام سماعًا للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين»!([88]).

فإن كانوا يعدُّون هذا الإحتفال شكرًا، فليس الشكر بالإسراف والبطر والرقص.

ومن أمثلة ذلك: مايحدث في عصرنا في بعض بلاد الإسلام من الولائم والاحتفالات وما يصاحب ذلك من المخالفات كالاختلاط والغناء ورقص النساء أمام الرجال، والسمر والسهر الذي يؤدي إلى الغفلة ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

سادسًا: الغلو في الرجال وتقديس أقوإلهم دون دليل.

قال الشاطبي: «إن منشأ الاحتجاج بعمل الناس في تحسين البدع الظن بأعمال المتأخرين، وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك، والوقوف مع الرجال دون التحري للحق»([89]).

وقال أيضا نقلاً عن بعض شيوخه: «ولما كانت البدع والمخالفات وتواطؤ الناس عليها، صار الجاهل يقول: لو كان هذا منكر لما فعله الناس»([90]).

يقول الشوكاني ؒ: «وسريان البدع أسرع من سريان النار، ولاسيما بدعة المولد؛ فإن أنفس العامة تشتاق إليها غاية الاشتياق، ولاسيما بعد حضور جماعة من أهل العلم والشرف والرئاسة معهم، فإنه سيخيل إليهم بعد ذلك أن هذه البدعة من آكد السنن! ولاشك أن العامة أسرع الناس إلى كل ذريعة من ذرائع الفساد، التي يتمكنون معها من شيء من المحرمات، كالمولد ونحوه، فإذا انضم إلى ذلك: حضور من له شهرة في العلم والشرف والرئاسة، فعلوا المحرمات بصورة الطاعات، وخبطوا في أودية الجهالات والضلالات، وتخلصوا من ورطة الإنكار، بقولهم: حضر معنا سيِّدي فلان وفلان!»([91]).

سابعًا: أنهم يحتفلون بتاريخ وفاته .

لم يثبت أن هذا اليوم الذي يحتفلون به هو تاريخ ولادته ، إذ اختلف في ذلك المؤرخون على أقوال كثيرة، لكن المقطوع به والمتفق عليه بين المؤرخين أنه تاريخ وفاته ، فهل يكون احتفالا بموته؟! وهل الفرح أولى من الحزن؟!

لذا يقول ابن الحاج: «ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد للمغاني والفرح والسرور لأجل مولده كما تقدم في هذا الشهر الكريم، وهو فيه انتقل إلى كرامة ربه عز وجل وفُجعت الأمة فيه وأصيبت بمصاب عظيم لايعدل ذلك غيرها من المصائب أبداً، فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير وانفراد كل إنسان بنفسه لما أصيب به...»([92]).

ثامنًا: إنكار العلماء لهذه البدعة سلفًا وخلفًا.

ولو كانت مشروعة ماأنكرها العلماء الربانيون، وتنادى المصلحون بإبطإلها في كل عصر، فقد ألَّف الفاكهاني رسالة «المورد في عمل المولد»، وأنكر هذه البدعة وقال: «لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون» إلى آخر ما قال ؒ([93]).

وألف الشيخ إسماعيل الأنصاري رسالة ضخمة بما يقارب (600) صفحة وعنوانها:

(القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل).

وممن أنكر هذه البدعة: الإمام الشاطبي في كتابه «الاعتصام».

وقال أبوشامة ؒ في مقدمة كتاب ألّفه في ذلك: «فهذا كتاب جمعته محذرًا من البدع، زاجرًا لمن وفق لذلك وارتدع... وسميته: الباعث على إنكار البدع والحوادث»([94]).

وممن أنكرها من العلماء: العلامة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ حمود التويجري، والألباني، وابن باز، وابن عثيمين، وجمع من العلماء المتقدمين والمتأخرين، رحمة الله عليهم أجمعين.

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ؒ: «المولد لم يرد في الشرع ما يدل على الاحتفال به; لا مولد النبي ولا غيره، فالذي نعلم من الشرع المطهر، وقرره المحققون من أهل العلم؛ أن الاحتفالات بالموالد بدعة لا شك في ذلك؛ لأن الرسول وهو أنصح الناس وأعلمهم بشرع الله، والمبلغ عن الله؛ لم يحتفل بمولده ولا أصحابه لا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم، فلو كان حقاً وخيراً وسنة لبادروا إليه، ولما تركه النبي ، ولعلمه أمته، أو فعله بنفسه، ولفعله أصحابه وخلفاؤه - -، فلما تركوا ذلك علمنا يقيناً أنه ليس من الشرع، وهكذا القرون المفضلة لم تفعل ذلك، فاتضح بذلك أنه بدعة، وقد قال : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([95]).

نصيحة للأمة في التحذير من عموم الشرك والبدع، ولزوم السنة والصبر عليها:

إن انتشار البدع والمحدثات وسكوت الناس عليها بل واستحبابها؛ نذير هلاك قريب يوشك أن يحل بالأمة إن لم يتداركها العلماء العاملين والدعاة الناصحين.

فدعاة المولد -بدعوتهم إليه- مخالفون لأمره ، مفتئِتون عليه، مستدركون على شريعته، ومن ادّعى حب المصطفى وتعظيمه وتوقيره فليزم عتبة العبودية والاتباع بصدق وإخلاص، وليحذر الإبتداع في الدين واتباع إلهوى، فالشركيات والبدع كالنار تسري في إلهشيم، فإذا لم تطفأ شرارتها أحرقت الناس وأطفأت نور الوحيين!

حيث إن البدع بريد الشرك والكفر، وهي زيادة دين لم يشرعه الله ولا رسوله، ولذا يفرح بها الشيطان ويزينها ويحسّن فعلها.

والمتأمل يدرك كيف بدأت عبادة الأوثان في أمة نوح، بتعظيم الرجال، والغلو في الصالحين، وصنع التماثيل، وإحياء بدع لم تكن في دين الله، ليدرك بعدها كيف ضربت أطنابها، من أول نبي إلى آخر نبي، والسبب في ذلك أمرٌ قد لا يأبه له كثير من الناس، ولا يدركون خطورته إلا حين يعاينون آثاره ومآلاته.

وقد كان السبب في انتشار عبادة الأوثان في جزيرة العرب عندما ذهب عمرو الخزاعي إلى الشام ورآهم يعبدون الأصنام من دون الله، فاستحسن ذلك وظنه حقاً، فكان أول من غيّر ملة إبراهيم ودعا إلى عبادة الأصنام، فباء بإثم عباد الأصنام والأوثان إلى يوم القيامة، فعليه من الله ما يستحق.

قال النبي : «رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب»([96]).

«والسائبة كانوا يسيبونها لإلهتهم فلا يحمل عليها شيء»([97]).

ولذا حرص سلف الأمة على التحذير من البدع والمحدثات في الدين، وبيان خطرها، وصنفوا في ذلك المصنفات، ولا صلاح لآخر الأمة إلا بما صلح أولها.

وإنكار الاحتفال بمولد سيد المرسلين؛ لكونه لم يشرعه، فليست العبرة بما نهوى، إنما العبرة بما يحب ويرضى .

وعندما بلغ ابن مسعود أن أقوامًا يجتمعون في المسجد حِلقًا يذكرون الله بصوت جماعي ويعدونه التسبيح على الحصى غضب وقال:

«ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم!

هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلَ، وآنيته لم تكسر.

والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من سنة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة.

قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.

قال : وكم من مريد للخير لن يصيبه»([98]).

وأُثر عنه : «عباد الله اتبعوا ولاتبتدعوا فقد كفيتم»([99]).

وأخرج الدارمي بإسناد حسن عن الحسن البصري أنه قال: (سنتكم - والله الذي لا إله إلا هو - بين الغالي والجافي، والمترف والجاهل، فاصبروا عليها رحمكم الله؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلكم إن شاء الله فكونوا)([100]).

ولقد حذرنا تعالى من مخالفة أمر نبيّه فقال تعالى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ [النور:63].

وأمره هو «سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته»([101]).

وقال : «أي: فليحذر وليخْشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا ﴿ﮒ ﮓ ﮔ [النور:63] أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة.

﴿ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ [النور:63] أي: في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك»([102]).

ومن هنا يتبين أن مخالفة السنة مؤذن بزوال النعم ونزول النقم.

قال ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله وتقولون: قال أبوبكر وعمر»([103]).

فكيف لو رأى ابن عباس حالنا اليوم!

فسبيل الحق واضح، ونوره ساطع، وهدايته متحققة فلايغرك كثرة إلهلكى!

وتأمل مصير الأمم التي أعرضت عن أمر ربها وأعرضت عن هدي المرسلين، وتأمل كيف كانت قوتها ورغد عيشها!

قال تعالى في قوم ثمود: ﴿ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ [الشعراء:146-149].

وقال تعالى في أهل سبأ: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ [سبأ:15].

وتأمل كيف تبدلت النعمة بقوم سبأ جزاء إعراضهم عن منهج الله:

﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ [سبأ:16].

وقال تعالى في عاقبة قوم ثمود: ﴿ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ [فصلت:17].

وهذا مثلٌ مضروب ومصير محتوم لكل كافر ومعرض عن إلهدى:

﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ [النحل:112].

قال ابن كثير ؒ: «هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يُتخطف الناس من حولها، ومن دخلها آمن لا يخاف... ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ [النحل:112] أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء ، ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وذلك لما استعصوا على رسول الله وأبوا إلا خلافه»([104]).

وانظر كيف وصف الخوف والجوع بأنهما اصبحا لباسا ملازما لهم لا ينفك عنهم، بعد أن كانوا في أمن في الأوطان، ورغد من العيش!

فلن يجمع القلوب ويوحد الصفوف، إلا قوة الإيمان، وصحة العقيدة، ونصرة السنة، والتمسك بها، كما قال تعالى: ﴿ﭟﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ [الأنفال:63].

إن الأمة تحتاج وحدة العقيدة وقوة الإيمان لتخرج من أزماتها وتنتصر على أعدائها في الدين، من اليهود، والنصارى، والزنادقة، والباطنية، والرافضة، وغيرهم، فالعبرة بالتمسك بالسنة وليس إحياء البدع والموالد البدعية التي شغلت بها الأمة وزادتها بعدا وضلالا عن عقيدتها ودينها ولكن السبب كما قال بعض أهل العلم من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف عظموا أئمتهم بالاحتفالات دون السير على مناهجهم المستقيمة.

وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ تجمع شروط قبول العمل: الإخلاص، والمتابعة. فالإخلاص متعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة متعلقة بشهادة أن محمدًا رسول الله، فمن أراد أن يحقق الشهادة فعليه أن يلتزم بالإخلاص لله والمتابعة للنبي .

ثم قال بعد ذلك: «وأن عيسى عبد الله ورسوله» وهذا الشرط الثالث لدخول الجنة، وقد وصف عيسى بمثل ما وصف به نفسه ، وفي هذا رد على أهل الطوائف المنحرفة في عيسى من اليهود والنصارى، الذين تناقضوا بين الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، وبيان أن عيسى عبد الله، وليس ولد الله كما يقول النصارى، وأيضًا هو رسول الل،ه وليس كما يقول اليهود من أنه ولد زنا وبغي، حاشاه وحاشا أمه مريم البتول . فـ (عبد الله) ردٌّ على النصارى، (ورسوله) ردٌّ على اليهود.

«وكلمته ألقاها إلى مريم ورح منه» فيه بيان أن عيسى خلقه الله بكلمة (كن) فكان، وهذه هي الكلمة التي ألقاها إلى مريم. «وروح منه» الروح أُضيفت لله جل وعلا إضافة تشريف وتكريم لا إضافة تبعيض كما يزعم النصارى - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - فإذا أضيفت أعيان مخلوقة إلى الله تعالى فهي إضافة تشريف وتكريم، كما نقول: (ناقة الله) و(بيت الله)، فلا يقول عاقل إن الناقة بنت الله! ولكنها أضيفت إليه إضافة تشريف وتكريم، وهكذا هو القول في إضافة البيت إلى الله، وإضافة الروح إليه في قوله: «وروح منه» فأضيفت الروح لله جل وعلا إضافة تشريف.

فالإضافة لله تعالى نوعان:

1 - إضافة أعيان المخلوقين، فهذه إضافة تشريف وتكريم.

2 - إضافة الصفات لله تعالى، فهذه لله تعالى غير مخلوقة كما نقول (كلام الله)([105]).

قوله : «والجنة حق، والنار حق» ذكر الجنة والنار، وهما من أمور الغيب، والإيمان بهما من الإيمان بالغيب ومن فضائل التوحيد وكمإله؛ ومن حقق التوحيد دخل الجنة ومن لم يحققه استوجب دخول النار، كما أن الإيمان بالجنة والنار يورث الخوف والرجاء عند العبد، والعبادة تقوم على الخوف والرجاء والمحبة، وقد شبهها العلماء بالطائر، فالمحبة رأسه أو روحه، والخوف والرجاء جناحاه، وبذلك سار السائرون إلى الله تعالى، وأُقيمت الفرائض واجتنبت المحارم، وقامت عبادة الله على هذه الأرض.

والإيمان بالجنة والنار يتضمن ثلاثة أمور:

* أنهما موجودتان.

* وأنهما مخلوقتان.

* وأنهما لا تبيدان ولا تفنيان.

وقوله : «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» بشرط أن يكون قد تاب مما عنده من ذنوب ومعاصي، فيدخل الجنة وتكون درجته فيها بحسب عمله؛ لأن أهل الجنة يدخلونها على حسب أعمإلهم ودرجاتهم.

قال ابن القيم ؒ: «والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا وإثباتًا، متَّصفًا بموجبها، قائمًا قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت»([106]).

وهذا من ثمار تحقيق التوحيد، فكلما كمل التوحيد في القلب أصبح العبد ربانيًا عاكفًا على الله، ذاكرًا له، منيبًا إليه، كلما أذنب تاب واستغفر، وكلما نسي ذكر، وهذه كما قال أهل العلم أهل التوحيد فيها على درجات ومنازل.

قوله ؒ: «ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»».

«لهما»: أي: للبخاري ومسلم.

وهنا مسألة ألحقها المؤلف بهذا الحديث؛ لأنه قد يحتج محتجٌّ بقوله : «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، ويأخذها ذريعة للتفريط، والصواب كما جاء في حديث عتبان: هو إقامة لا إله إلا الله على وجهها الصحيح، من تحقيق الإخلاص وأن تكون لوجه الله تعالى، فمن أراد وجه الله فلابد أن يبذل وسعه للوصول إلى رضاه، وأن يطلبه ويصدق في طلبه، ومن طلبه بصدق فلابد أن يكون مخلصًا، منقادًا، صادقًا، محبًا، متبعًا، فهذا شرط عظيم تنضوي تحته بقية شروط لا إله إلا الله.

وفي هذا رد على المرجئة ومن على شاكلتهم ممن يقول إن الإيمان يكفي بالقلب، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما هي طريقتهم المنحرفة التي ضيعوا بها الدين وانتهكوا بها الحرمات، ولم يقيموا لأوامر الله ونواهيه وزنًا.

وهذا الحديث له قصة تبين سببه، وهي أن «عِتبانَ بنَ مالكٍ - وهو من أصحابِ رسولِ اللهِ ، ممَّن شهِدَ بدرًا من الأنصارِ - أتَى رسولَ اللهِ فقال: يا رسولَ اللهِ، قد أنكَرْتُ بصَري، وأنا أصلّي لقومي، فإذا كانتِ الأمطارُ وسال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطِعْ أن آتيَ مسجدَهم فأصليَ بهم، ووَدِدْتُ يا رسولَ اللهِ! أنك تأتيني فتصلِّي في بيتي، فأتخِذَه مُصلًّى، قال: فقال له رسولُ اللهِ : سأفعلُ إن شاء اللهُ. قال عِتبانُ: فغَدا رسولُ اللهِ وأبو بكرٍ حين ارتفَع النهارُ، فاستأذَن رسولُ اللهِ فأذِنتُ له، فلم يجلِسْ حتى دخَل البيتَ، ثم قال: أين تُحِبُّ أن أصليَ من بيتِك. قال: فأشَرْتُ إلى ناحيةٍ من البيتِ، فقام رسولُ اللهِ فكبَّرَ، فقُمنا فصفَفنا، فصلَّى ركعتين ثم سلَّم، قال: وحبَسْناه على خَزيرَةٍ صنَعناها له، قال: فثاب في البيتِ رجالٌ من أهلِ الدارِ ذَوُو عددٍ، فاجتمَعوا، فقال قائلٌ منهم: أين مالكُ بنُ الدُّخَيشِنِ أو ابنُ الدُّخشُنِ؟ فقال بعضُهم: ذلك منافقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، فقال رسولُ اللهِ : لا تقُلْ ذلك، ألا تَراه قد قال: لا إلهَ إلا اللهٌ، يُريدُ بذلك وجهَ اللهِ؟! قال: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فإنا نرَى وجهَه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسولُ اللهِ : «فإن اللهَ قد حرَّم على النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ يبتَغي بذلك وجهَ اللهِ»([107]).

وفي هذا الحديث مسائل عديدة مهمة:

- نهي النبي أن يُطعن في هذا الرجل؛ لأنهم لا يدرون عما في قلبه، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وهنا الرسول قال هكذا، ولم يبرئ الرجل، إنما أتى بعبارة عامة: «فإن اللهَ قد حرَّم على النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ يبتَغي بذلك وجهَ اللهِ»([108])، ونهى أن نطلق ألسنتنا في عباد الله الذين ظاهرهم الصلاح، ونقول: هذا مراء، هذا فاسق، وما أشبه ذلك، لأننا لو أخذنا بما نظن فسدت الدنيا والآخرة; فكثير من الناس نظن بهم سوءا ولكن لا يجوز أن نقول ذلك وظاهرهم الصلاح، ولهذا قال العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة([109]).

وهذا أدَبٌ أدَّب النبي به أصحابه، فليحذر المسلم من النيل من أعراض المسلمين، فما بالك بمن ينال من العلماء ويطعن فيهم، أو يتهم أحدًا منهم بأنه ضال مبتدع منحرف في العقيدة، ويتكلم بكلمة كبيرة يطعن بها عرض مسلم أو عالم بهتانًا وزورًا دون أن يبالي، ولقد كان السلف يحذرون من التسرع في الجرح ويحرصون على عدم الاتهام إلا بعد قيام البيّنة الواضحة، ولذا ترى تورُّعهم في الكلمة فلا يجرحون أحدًا إلا عند ترجُّح مصلحة كتصحيح الأحاديث وتنقية الأسانيد، ومع ذلك فقد كانوا يعرفون لأهل الفضل فضلهم، وهذا هو الذي ينبغي، فحتى لو زل عالم زلة لم يكن مبررًا لأن تُنسى فضائله أو يُتهم في دينه، بل يتم التعامل معها وفق منهج أهل السنة والجماعة عن طريق المناصحة وحفظ الفضل لأهله، وعدم إخراج المسلم إلى دائرة النفاق والبدعة والفسق والضلالة، لا سيما إن كان ذلك في مسألة من مسائل الاجتهاد، فإن العالم إذا اجتهد كان له أجر، وإذا أصاب له أجران.

وبيَّن : «أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغى بذلك وجه الله»، ومعنى «حرَّم»: منع أن تصيبه.

فالتوحيد أعظم حسنة، ومن حسناته أن أنواره تمحو الذنوب والمعاصي وتطفئها، ويوم القيامة يخرج الله كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم جاء بما يناقضها خرج من دائرتها، أما إذا جاء بما ينقصها من الذنوب والمعاصي ولم يتب منها فهذا تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، وإن عذّبه فلا يخلد في النار، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج الذين يُكفّرون بالكبائر.

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ؒ تعالى:

«أما إذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الباطل، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قإلها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه مالا يصدقه عمله»([110]).

يقصد أنه قد يدخل في النفاق عندما تتلطخ لا إله إلا الله بالشرك الأصغر وبالذنوب وبمخالطة أهل الباطل، فيضعف نور التوحيد في القلب حتى يصبح العبد ليس معه من «لا إله إلا الله» إلا شيئًا يسيرًا، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ»([111]).

قال الحسن: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرًا وعمل خيرا قُبل منه، ومن قال خيرا ًوعمل شرًا لم يقبل منه»([112]).

فلا إله إلا الله لابد من تحقيقها، وأهلها المحققون لها هم أهل التوحيد الذين لهم الأمن التام الكامل.

قوله: «وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال: «قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: يا موسى: قل لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله الله في كفة، مالت بهن لا إله الله»([113])».

هذا حديث عظيم يبين فضل لا إله إلا الله.

قال موسى كليم الله : «يا رب! علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به» يسأل الله جل وعلا أن يعلمه شيئًا يثني على الله ويدعوه به، فهو يطلب بها أمرين: الذكر والدعاء، «قال: يا موسى: قل لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا» وليس معنى ذلك أن موسى استصغر هذه الكلمة، فهو الذي دعا الناس إليها، وحمَل رسالة التوحيد إلى أكبر طاغية وهو فرعون، وأوذي في ذات الله أشد الأذى فصبر، وإنما كان يريد شيئًا يخصه الله به؛ لأنه يعلم أن الناس كلهم يقولون هذه الكلمة.

«قال: يا موسى، لو أن السموات السبع -وعامرهن غيري- والأرضين السبع في كفة، ولا إله الله في كفة، مالت بهن لا إله الله».

«في كفة» أي: في كفة الميزان.

وفي هذا دليل على أن السموات سبع، وهذا مذكور في القرآن كثيرًا، كما أنه دليل على أن الأرضين سبع أيضًا.

وهذا الحديث دالٌّ على عظم فضل شهادة التوحيد الذي لا يعدلها فيه غيرها، وأنها توزن بها السموات السبع والأرضين السبع؛ لما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة ورأس الأمر، فمن قإلها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها وأدى لوازمها وقام بحقوقها واستقام على ذلك، فقد ظفر بحسنة لا يوازنها شيء سواها.

* ومن فضائل كلمة التوحيد: أنها أعظم كلمة تقال في أعظم يوم في العام، وهو يوم عرفة، كما جاء في الحديث: قال : «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»([114]).

* ومن فضائلها: أنها أفضلُ الأعمال، وأكثرها تضعيفًا، تحفظ العبد من الشيطان، وتعدل عتق الرقاب؛ كما قال النبي : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومُحيَتْ عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه»([115]).

* ومن فضائلها: أنها أعظم شعب الإيمان، كما في الحديث: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْـحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ»([116]).

* ومن فضائلها: أنها تفتح أبواب الجنة لقائلها؛ كما جاء في حديث عمر عن النبي أنه قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء»([117]).

* ومن فضائلها: أنها تحرم النار على من قإلها مخلصًا؛ كما في حديث عتبان بن مالك عن النبي أنه قال: «إن الله حرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله»([118]).

وعند الشيخين أن الله تعالى يقول: «وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله»([119]).

ولهذا السبب فهي تقطع ظهر إبليس، كما قال سفيان الثوري: «ليس شيء أقطع لظهر إبليس من لا إله إلا الله»([120]).

* ومن فضائلها: أنها العروة الوثقى، وهي كلمة الصدق، وهي الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، ومن قإلها عُصم مإله ودمه، وحسابه على الله، فهي التي من أجلها أُنزلت الكتب، وأُرسلت الرسل، وخُلقت الجنة والنار، ومن أجلها قام سوق الجهاد في سبيل الله، فما أعظمها من كلمة بها تنشرح الصدور، وتجلو إلهموم، وتطمئن القلوب، وأهلها هم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ [فصلت:30-32].

قال الحسنُ للفرزدقِ وهو يدفن امرأته: «ما أعددت لهذا اليوم»؟ قال: «شهادة أن (لا إله إلا الله) منذُ سبعين سنة». قال الحسن: «نِعم العُدَّة، لكنَّ لـ(لا إله إلا الله) شروطًا؛ فإياك وقذف المحصنات»([121]).

قال الحافظ ابن رجب ؒ:

«وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غيرُ الله، والإله: هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله لغير الله عز وجل، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك؛ ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها طاعة غير الله، أو خوفه، أو رجاؤه، أو التوكل عليه، والعمل لأجله»([122]).

فينبغي الحذر من نواقص هذه الكلمة وما يكدر نورها وصفاءها؛ لأن التوحيد كالمرآة الصافية، كما قال ابن القيم ؒ تعالى: «التوحيد أصلف [أي: ألطف] شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون، يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدًّا أدنى شيء يؤثر فيها، ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية»([123]).

فلابد للعبد أن يتفقد توحيده وصدقه وإخلاصه وكمال شهادته كل صباح ومساء، فهي مع العبد في يقظته وفي نومه وفي سائر أموره حتى يلقى الله، فإذا ختم له بها دخل الجنة، وهي سهلة القول في الدنيا، لكنها عند الموت عسيرة على المشركين والمنافقين ومن ضيعوها في الدنيا، إنما هي سهلة ويسيره على الموحدين الذين أقاموها وحققوها صدقًا واخلاصًا ويقينًا، كما في حديث عبد الله بن عمرو ، والذي اشتهر بحديث البطاقة، وفيه: أن رسول الله قال: «يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مد البصر، ثم يقول الله : هل تنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أظلَمك كتبتي الحافظون؟ ثم يقول: ألك عندنا حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فيقول: إنك لا تُظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة»([124]).

قال ابن تيمية ؒ تعالى: «فهذه حال من قإلها بإخلاص وصدق كما قإلها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة»([125]).

فكثير ممن قإلها من أهل الكبائر يُعذبون، لكن هذا الرجل قإلها بصدق وإخلاص، وهي من أعظم الذكر، ومن أفضل الدعاء كما قال : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حُطّت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»([126]).

وذكر المصنف ؒ تعالى الحديث الأخير في بيان فضل التوحيد وأنه يكفر الذنوب فقال: «وللترمذي وحسَّنه عن أنس : سمعت رسول الله يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»».

«قال الله تعالى: يا ابن آدم»: هذا نداء موجّه إلى جميع بني آدم، وهذا حديث عظيم خاص بفضل التوحيد، وبيان أنه يكفر الذنوب والمعاصي.

«بقراب الأرض خطايا» أي: بملئها أو ما يقارب ملئها.

«ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا» وهذا شرط في حصول المغفرة وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره.

«شيئًا» نكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهذا شرط دقيق ثقيل يتضمن الوعد بحصول المغفرة في حال السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلَّمه الله تعالى ووفقه، وهذا دليل على أن العبد قد يفقد التوحيد إذا كانت أعمإله رياء.

قال ابن رجب ؒ تعالى: «من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة» إلى أن قال: «فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أعقب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله: محبة وتعظيمًا، وإجلالًا ومهابة، وخشية وتوكلًا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، وإن كانت مثل زبد البحر»([127]).

وقال العلامة ابن القيم ؒ تعالى في معنى الحديث: «ويُعفى لأهل التوحيد المحض الذين لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك. فلو لقى الموحد الذي لم يشرك بالله شيئًا ألبته ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلإله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة والدافع لها قوي، فلا تثبت معه»([128]).

وفى هذا الحديث: كثرة ثواب التوحيد، وسعة كرم الله وجوده ورحمته، والرد على الخوارج الذين يكفّرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، وهي الفسوق، ويقولون ليس بمؤمن ولا كافر، وأنه يخلد في النار. والصواب هو قول أهل السنه: أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان، ولا يُعطاه على إطلاقه، بل يقال هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

والشرط في هذا الحديث كما ذكر ابن باز ؒ تعالى: «أن يلقى الله تائبًا منها، لا يلقى الله مصرًا على الذنوب والمعاصي؛ ولذلك قال ابن القيم ؒ: من لقي الله بالتوحيد لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن محبة الله واجلإله وتعظيمه وخوفه ورجاءه».

فإذا عظمت لا إله إلا الله في القلب أحرقت آثار الذنوب والمعاصي، وجعلت العبد محبًّا محبوبًا لله تعالى، وفي هذا بشرى لأهل التوحيد، وبيان أهميته ومنزلة أهله، فحريٌّ بالمسلم أن لا يفرط في هذه الخصلة الجليلة والحسنة النبيلة، وأن لا يشوبها بشيء مما يكدر صفوها وينقض عُراها من أنواع الشرك والذنوب، والله وحده المستعان.

 

***


 

مسائل متعلقة بالباب:

الأولى: سعة فضل الله.

الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.

الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.

الرابعة: تفسير الآية (82) التي في سورة الأنعام.

الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.

السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: (لا إله إلا الله) وتبين لك خطأ المغرورين.

السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.

الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.

التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه.

العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات.

الحادية عشرة: أن لهن عمارًا.

الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافًا للأشعرية.

الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان.

الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدَي الله ورسوليه.

الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.

السادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه.

السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.

الثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل».

التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.

العشرون: معرفة ذكر الوجه.

الشرح:

أورد المصنف ؒ تعالى المسائل التي هي خلاصة هذا الباب، فذكر:

الأولى: سعة فضل الله.

أي: على أهل التوحيد، فالله أعطاهم من الفضائل وإلهبات ما لم يعط غيرهم من الأمن والنعيم في الدنيا والآخرة، فمن انحرف عن التوحيد فهو الخاسر، فأسلم له من في السموات ومن في الأرض، يسبح له من في السموات ومن في الأرض إلا عصاة بني آدم وملاحدتهم الذين يخرجون عن هذا الفضل وهذه السعة من رحمة الله تعالى.

الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.

فحسنة التوحيد هي أعظم حسنة، ومن لقي الله بهذه الحسنة فهو من الذين لهم الأمن التام وإن كان من أهل الأمن الناقص فهو لا يخلد في النار، وهذا من فضل التوحيد وأثره على صاحبه.

الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.

وهذا من تكفيره للذنوب، وقد سبق أن حسنة التوحيد تحرق الذنوب والمعاصي وتمحوها.

الرابعة: تفسير الآية (82) التي في سورة الأنعام.

وهي قوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ [الأنعام:82].

الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.

لأنها مسائل عقائدية عظيمة، وفيها شروط دخول الجنة، وفيها رد على أهل الملل والنحل من اليهود والنصارى، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق.. فمن حققها دخل الجنة.

السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: (لا إله إلا الله) وتبين لك خطأ المغرورين.

المغرورون هنا: هم الذين يقولون بأنه لا يلزم تحقيق شروط «لا إله إلا الله»، كقول المرجئة أنه يكفي التصديق بها، ومن يقول إنه يكفي نطقها باللسان كالكرامية وغيرهم من المرجئة، فمن لم يقم بـ لا إله إلا الله القيام الذي تستحقه فلن تنفعه عند الله؛ لأنه قال: «من قإلها يبتغي بها وجه الله» وكل من يبتغي وجه الله فلابد أن يعمل صالحًا، وإلا فالمنافقين قد قالوها ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.

السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.

وهذا شرط مهم من شروط لا إله إلا الله، فهي مفتاح الجنة، والمفتاح لا بد له من أسنان، وأسنانه هي شروط لا إله إلا الله.

الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.

وهذا في حديث موسى ، فقد يخفى فضلها حتى على سادات الأولياء وبعض الأنبياء؛ ولهذا بيّن الله فضلها لموسى.

التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه.

لماذا يخف ميزانه وهو قد قإلها؟ لانتفاء الإخلاص وعدم استيفاء الشروط.

العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات.

وهذا جاء في حديث: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»([129]) وهو دليل أيضًا على أن الأرضين سبع، وأما السموات فقد وردت آيات كثيرة تبيّن أنها سبع سموات طباقًا.

الحادية عشرة: أن لهن عُمّارًا.

يعني أن السموات عُمّارها الملائكة، والأرض لها عُمّار وهي المخلوقات الموجودة فيها.

الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافًا للأشعرية.

الصفات التي ثبتت له سبحانه هنا: صفة الوجه، وصفة الكلام. والأشعرية فرقة من المعطلة المنكرين للصفات.

الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان.

أي: أن قولها يقتضي ترك الشرك، ولا يكفي مجرد قولها باللسان، وبيانه أن الإنسان لا بد أن يعمل ويترك الشرك ويتجنبه، فإنه إذا قال لا إله إلا الله وهو مشرك لا تنفعه، كحال أهل القبور الذين يدعونهم من دون الله.

الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدَي الله ورسوليه.

فهما من أولي العزم من الرسل، وقد اجتمعا في أنهما عبدي الله ورسوليه، مع اختلافهما في كيفية الخلق، فمحمد خُلق من أبوين، وعيسى خُلق بالكلمة من الله.

الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.

أي: خلقه الله بكلمة «كن» فكان بمشيئة الله وقدرته، خارجًا عن الجبلّة المعتادة؛ ليكون آية من آيات الله إلى يوم الدين.

السادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه.

«روح منه» أي: للبيان والابتداء، وليست للتبعيض كما زعم النصارى، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.

وهذه عقيدة وسبب لدخول الجنة.

الثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل».

هذه الكلمة نضبطها بحديث عتبان: العمل الصالح ولو كان قليلًا، وما كان من العمل السيء ولو كثر، بشرط ألا يأتي بما ينقض التوحيد ويوجب الخلود في النار، وبشرط أن يلقى الله تائبًا من الذنوب والمعاصي غير مُصِرٍّ عليها.

التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.

وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بالميزان وأن له كفتان، وليس كما يقول المعتزلة بأنه ليس ميزانًا حقيقيًا بل مجاز.

العشرون: معرفة ذكر الوجه.

وهي صفة ثابتة لله تعالى من صفاته الخبرية.

 

 

* * *

 


 

باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

وقول الله تعالى: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ [النحل:120].

وقال: ﴿ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋﰌ [المؤمنون:59].

عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي([130])، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس([131]) عن النبي أنه قال: «عُرضَت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله . وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن([132]) فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة»([133]).

الشرح:

هذا باب تحقيق التوحيد، وهو أمر لا يقوم به إلا الخاصة، أما الباب السابق «فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب» فيشترك به كل أهل الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ [فاطر:32].

فهؤلاء أهل التوحيد فيهم الظالم لنفسه، وفيهم المقتصد، وفيهم السابق بالخيرات، والسابقون هم أهل تحقيق التوحيد وأهل الكمال فيه، أما فضل التوحيد فيشمل كل من دخل في التوحيد حتى لو كان مذنبًا أو مقصرًا.

ونحن نرى المؤلف يرتب هذه الأبواب على ضوء علمه بالتوحيد، وهو معلم التوحيد ؒ، فهو يتدرج مع السائرين والسالكين في منازل ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ [الفاتحة:5]، فإذا دخل العبد في التوحيد فليتطلع إلى منزلة عالية من منازل أهل التوحيد وهي منزلة المحققين.

وقد بدأ المؤلف هذا الباب بذكر قول الله تعالى: ﴿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ [النحل:120].

وهذا مثال على تحقيق التوحيد، ذكر فيهم وصف إبراهيم الذي حقق التوحيد ووصفه الله بهذه الآية بأربع صفات عظيمة:

الصفة الأولى: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ [النحل:120]، أي: إمامًا وقدوة جامعًا لخصال الفضل، ومعلمًا للخير. وما نال هذه المنزلة إلا بتكميله وتحقيقه للتوحيد، وذلك بالصبر واليقين اللذين تُنال بهما الإمامة في الدين، كما قال تعالى: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ [السجدة:24] .

الصفة الثانية: ﴿ﭩ ﭪ والقنوت: دوام الطاعة. ووصفه الله جلا وعلا بكونه قانتًا أي: قائمًا مداومًا على الطاعة.

الصفة الثالثة: أنه كان ﴿ والحنيف: هو المائل عن الشرك إلى التوحيد الذي خلص لله جل وعلا.

الصفة الرابعة: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ أي: تبرأ من المشركين ومن أفعإلهم؛ لصحة توحيده وكمال تحقيقه وبُعده عن الشرك.

ووصفه بهذه الصفة يبين ما كان عليه من كمال التوحيد وتحقيقه وذلك بالبراءة من الشرك وأهله، فلا يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة إلا بالبراءة من الشرك وأهله بحيث لا ينسب له شرك وإن قلّ، ولذا لما زعم اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم كذّبهم الله جل وعلا بقوله: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ [آل عمران:67].

علق المؤلف على هذه الآية بذكر ثلاث مسائل:

«أولًا: معرفة مراتب الناس في التوحيد.

ثانيًا: ما معنى تحقيقه.

ثالثًا: ثناؤه على إبراهيم لكونه لم يكن من المشركين».

وهذه الصفة أعظم صفة وصفه الله بها؛ لكي لا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، وليعلم أن المؤمن لا يمكن أن يكمل التوحيد حتى يتبرأ من المشركين ومن قربهم، حتى لو كانوا أهله إذا كانوا من أهل الشرك. وهذا من تعريف الإسلام، فالإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. وهذا في معنى قوله: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ، وهو القائل كما حكى الله عنه: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ [الأنعام:79].

وهذه صفات عظيمة قامت به، فكان ممن حقق التوحيد وحاذر أشد الحذر من الوقوع فيما يناقضه من الشرك، ولقد ضرب المؤلف ؒ في الباب التالي مثلًا بإبراهيم الخليل في الخوف من الشرك؛ لأنه خشي على نفسه وبنيه الوقوع في الشرك فدعا الله قائلًا: ﴿ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ [إبراهيم:35]، فجاء به مثالًا في أهل تحقيق التوحيد، وجاء به مثالًا في أهل الخوف من الشرك؛ ولهذا قال إبراهيم التيمي: «ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم»!([134]) إذا كان إمام الموحدين خاف على نفسه الشرك فكيف بحالنا؟!

ولهذا ألَّف هذا الكتاب في تصفية التوحيد وتنقية التوحيد وهو يسير مع العبد ليوصله إلى هذه الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، ألا وهي تحقيق التوحيد.

قوله تعالى: ﴿ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ [المؤمنون:57].

ذكر المؤلف هذه الآية من الآيات الدالة على أهل تحقيق التوحيد، قال تعالى: ﴿ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ [المؤمنون:57-61].

وهذه صفات عظيمة لأولياء الله الذين حققوا التوحيد:

-     فأول صفة وصفهم الله بها: صفة الخشية، فقال: ﴿ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ [المؤمنون:57].

-     ثم وصفهم بأنهم أهل الإيمان بآيات الله، فقال: ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ [المؤمنون:58].

-     ثم وصفهم بالبراءة من الشرك، فقال: ﴿ﰈ ﰉ ﰊ ﰋﰌ [المؤمنون:59].

-     الصفة الرابعة: وصفهم بأنهم ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ [المؤمنون:60] ، وهذه الآية لها سبب نزول؛ فقد روى الترمذي عن عائشة زوج النبي قالت: «سألت رسول الله عن هذه الآية: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ [المؤمنون:60] فقلت: أهُم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا بنت الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُقبل منهم»([135]).

-     ثم وصفهم الله تعالى بالمسارعة في الخيرات، فقال: ﴿ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ [المؤمنون:61] فهؤلاء هم أهل الاخلاص الكامل الذين يخشون ألا يقبل منهم وهم على عمل، وليسوا كحال من يتمنى على الله الأماني ويظن أنه قد بلغ المنزلة العالية والمكانة السامية.

وقد وصف الله عباده المؤمنين السابقين للجنة وأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها أنهم لا يشركون، إذ لو جاءوا بجميع الأعمال وببقية الصفات وهم لم يحققوا هذا الأمر لم تنفعهم من دونه، وقد أخذ المؤلف ؒ الآية التي تدل على الباب وتتضمن نفي الشرك: ﴿ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ [المؤمنون:59]، وهذا يراد به الشرك بنوعيه: الأصغر والأكبر، ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شرك جلي أو خفي نفى جميع ذلك عنهم، وهذا هو تحقيق التوحيد الذي حسنت به أعمإلهم ونفعتهم أكمل النفع، وكانوا بذلك من أهل تحقيق التوحيد الذين لا يدخلون النار، وحسنة التوحيد -كما سبق- إذا تحققت وكملت أحرقت الذنوب والمعاصي ولم يبقَ أمامها معصية، وصاحبها يدخل الجنة وهو من أهل الأمن الكامل الذين ذكرهم الله جل وعلا بقوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ [الأنعام:82].

وهذه الآيات كلها تتطلب من العبد صدق النية وصحة العمل، فالعبد الموفق لا يتمنى النتائج ويتطلع إلى الثمار وهو لا يعمل، بل: ﴿ﯢﯣ ﯤ ﯥ [المطففين:26].

ثم أورد المؤلف ؒ حديث حصين بن عبد الرحمن السلمي([136])، وكان عنده سعيد بن جبير([137])، وقوله: «ثم قلتُ: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدغت».

وفيه صدق التابعين وحرصهم على عدم إظهار أعمإلهم، وعلى تنقيتها من شوائب الرياء، وخوفهم من أن يُحمَدُوا بما لم يفعلوا.

وقد علق على هذا صاحب كتاب «التيسير العزيز» الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب، فقال:

«خاف أن يظن الحاضرون أنه ما رأى النجم إلا لأنه يصلي، فأراد أن ينفي عن نفسه إيهام العبادة وأنه يصلي مع أنه لم يكن فعل ذلك، وهذا يدل على فضل السلف الصالح وحرصهم على الإخلاص، وشدة ابتعادهم عن الرياء، بخلاف من يقول: فعلت وفعلت؛ ليوهم الأغمار أنه من الأولياء، ومنهم من علق السُّبَح في عنقه، أو وضعها في يده ليوهم الناس أنه يسبح عدد ما فيها من الخرز» انتهى كلامه.

وهكذا كان السلف أحرص ما يكونون على إخفاء العمل، ولم يكونوا يُظهرون منه شيئًا إلا لمصلحة أعظم، كأن يقتدى بهم في بعض الأمور التي لابد منها، أما ما عدا ذلك فقد كانوا أشد الناس إخفاءً لأعمإلهم.

قوله: «ولكني لُدغت» أي: أصابته لدغة من ذوات السموم كالعقرب أو نحوها.

قوله: «ما فعلتَ؟ قال: ارتقيت» يعني: استقريت، أي: طلبت من يرقيني.«قال: فما حملك على ذلك؟ » وفي هذا طلب الحجة والدليل على ما فعل؛ لأنهم كانوا لا يسيرون إلا بالاتباع رحمة الله عليهم.

قوله: «حديث حدثناه الشعبي» وهو عامر بن شراحيل الهمداني.

«قال: وما حدثكم؟ قال: حدثنا عن بريدة بن الحصيب([138]) أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حُمَة».

يقال: عان الرجل بعينه عيناً فهو عائن([139]).

وحقيقة العين: «نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر»([140]).

وقيل: «انفعال نفسي وعقلي يتمنى خلإله الحاسد أن تزول نعمه أو حالة معينة موجودة لدى المحسود، وقد تزول هذه الحالة أو النعمة وينادي المحسود بمجرد انفعال نفسية الحاسد»([141]).

و«العين حق»([142]) وهي ثابتة بالكتاب والسنة، وهذا ما عليه مذهب علماء الأمة([143])، فهي تدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر بمشيئة الله!

كما في الحديث عن جابر قال: قال رسول الله : «إن العين لتُدخل الرجل القبر، وتُدخل الجمل القدر»([144]).

وأدلة ثبوتها في القرآن قوله تعالى إن يعقوب حين قال لأبنائه: ﴿ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ [يوسف:67].

قال ابن كثير ؒ في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى إخباراً عن يعقوب أنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد أنه: خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم»([145]).

ومن الأدلة أيضاً قولـه تعالى: ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ [القلم:51].

قال ابن كثير ؒ: «وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة»([146]).

ومن الأدلة قولـه تعالى: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ [الفلق:5].

قال ابن القيم ؒ: «دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود. فنفس حسده شر متصل بالمحسود منه نفسه وعينه وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه...»([147]).

وأما الأدلة من السنة فكثيرة منها:

* عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا اسْتُغْسِلْتُمْ فاغسلوا»([148]).

* وعن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بنى جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين»([149]).

* وعن جابر أيضًا عن النبي : قال: «أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس»([150]).

وهذه الأدلة تدل على ثبوت العين وأنها حق.

وفرَّق ابن القيم ؒ بين العاين والحاسد، بأن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته.

والحاسد: يحصل لـه ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضاً... والعائن قد يصيب من لا يحسده من جماد أو حيوان... وربما أصابت عينه نفسه([151]).

أما الحاسد فحاسد لصاحب النعمة يتمنى زوإلها عنه، وربما يصاحب ذلك عداوة شديدة([152]).

وقد أنكر العين بعض الطوائف نظراً لجهلهم وعدم إحاطتهم بكيفية حدوث العين([153]).

وقالوا: «إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجاباً، وأكثفهم طباعاً... وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين، ولا تنكره...»([154]).

والرد عليهم أولاً بثبوت الأدلة الصحيحة فيه سواء من الكتاب أو السنة، ثم يقال لهؤلاء المنكرين أن للأرواح قوى وطبائع مختلفة، وتأثير العين أمر محسوس مشاهد لا ينكره إلا مكابر.

وهاهي الثعابين منها ما يؤثر بالنظر فيسقط الجنين، ويطمس البصر، كما في الحديث عن عائشة قالت: قال رسول الله: «اقتلوا ذا الطُّفْيَتَين، فإنه يطمس البصر ويصيب الحبل»([155]).

ومنها ما يؤثر بالسم الكامن فيه.

والإصابة بالعين لا يلزم منها الرؤية البصرية، بل قد يكون أعمى فيوصف لـه الشيء فتتكيف نفسه بكيفية خبيثة يلزم منها الإصابة بالعين، بل لو نظر إلى الشيء نظر ساه غافل لم يؤثر، فالعين لا تؤثر بمجردها ولكن بتكيف النفس الخبيثة([156]).

والمقصود هنا: بيان صلة الشيطان بإيقاع العين على المحسود، والواقع أن الشيطان يعين الحاسد، قال ابن القيم ؒ: «والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحدثهما ويصاحبهما...» ([157]) ([158]).

وهذا يبينه قوله في الحديث عن أبي هريرة : «العين حق، ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم»([159]).

ومعنى حضور الشيطان: أنه يوسوس للعائن بالإعجاب بالمعيون وحسده على هذه النعمة، فينسيه ذكر الله والدعاء بالبركة، فتقع العين بإذن الله وتقديره([160]).

والعين نوعان: عين إنسية، أي: من الإنس، وعين جنية، أي: من الجن([161]).

وقد صح عن أم سلمة أن النبي رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعَةٌ فقال: «استرقوا لها؛ فإن بها النظرة»([162]).

قوله: «سَفْعَة: أي نظرة، يعني: من الجن، وقيل: علامة، وأراد بالنظرة: العين، يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن، وقيل: عيون الجن أنفذ من أسنّة الرماح»([163]).

وقال ابن القيم ؒ: «هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفاً لا وقاية عليه أثّرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه...»([164]).

فرع:

وهنا يرد تساؤلان:

الأول: هل يمكن أن يعين الرجل بغير إرادته؟!

قال ابن القيم ؒ: «وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني»([165]).

وقال ابن عبدالبر: «إن من الطبع البشري الإعجاب بالشيء الحسن والحسد عليه، وهذا لا يملكه المرء من نفسه([166])، فلذا لم يُعاتب عامر([167]) عليه، بل على ترك التبريك الذي في وسعه»([168]).

الثاني: وهل يلزم من وقوع العين أن يرى الشخص العائن الشيء؟!

قال ابن حجر ؒ: «وقد أشكل ذلك على بعض الناس، فقال: كيف تعمل العين من بُعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ والجواب: أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سُمّ يصل من عين العائن في إلهواء إلى بدن المعيون، وقد نُقل عن بعض من كان مِعياناً أنه قال: إذا رأيتُ شيئاً يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عيني...، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي، إن صادف البدن لا وقاية لـه أثَّر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل رُدَّ على صاحبه كالسهم الحسي سواء»([169]).

وللوقاية من العين: على العبد التحصن بالأذكار، وقراءة المعوذتين مع سورة الإخلاص، والأدعية الواردة كما سيأتي إن شاء الله.

ومنها قولـه : «أعوذ بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة([170])، ومن كل عين لامَّة([171])»([172]).

وستر المحاسن([173])، كما في عثمان أنه رأى صبياً مليحاً فقال: «دسّموا نونته؛ لئلا تصيبه العين»([174])،([175]).

وعلى الإنسان إذا رأى ما يسره ويعجبه أن يُبرِّك، كما في حديث عامر بن ربيعة([176]). وفيه قوله: «علام يقتل أحدكم أخاه، ألا برَّكت؟! اغتسِل له»([177]).

ومن طرق علاج العين: الاستغسال([178])، كما في حديث عامر، فيغتسل به المعيون.

وصفة الوضوء كما قال الزهري: «يؤتى الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على كفه اليمنى في القدح، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده فيصب على قدمه اليسرى، ثم يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة»([179]).

واختلفوا في غسل داخلة الإزار: ما المقصود بها؟ على عدة أقوال، منها:

قيل: فرجه. وقيل: الأفخاذ والورك. وقيل: إزاره الذي يلي جسمه. وقيل الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن([180]).

والحكمة والله أعلم من غسل داخلة الإزار، كما قال ابن القيم ؒ: «هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد، لأنها تطلب النفوذ فلا تجد أرقَّ من المغابن، وداخلة الإزار، ولا سيما إن كان من كناية عن الفرج، فإذا غسلت بالماء، بطل تأثيرها وعملها، وأيضاً فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص»([181]).

قال ابن القيم ؒ معلقاً على اغتسال العائن وراداً على من ينكره : «وهذا مما لا ينإله علاج الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره، أو سخر منه، أو شك فيه، أو فعله مُجرِّباً لا يعتقد أن ذلك ينفعه، وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها البتة، بل هي عندهم خارجة عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصِّية، فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة، وتقر لمناسبته...»([182]).

«وروي عن عائشة أنها كانت لا ترى بأساً أن يعوذ في الماء، ثم يعالج به المريض»([183]).

كما أجاز جماعة من السلف كتابة القرآن وإذابته في ماء ويشربه المريض([184]).

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ؒ: «وهناك طريقة أخرى... وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب، كالثوب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب، أو يشربه..»([185]).

وللوقاية من العين: لا أفضل من التحصن بكثرة ذكر الله والإيمان به والتوكل عليه.

قال ابن القيم ؒ: «وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما عرياناً فيؤثر فيه»([186]).

والحُمَة: هي سُمُّ العقرب وغيرها من ذوات السموم عمومًا.

ومعنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، أي أن أنفع ما يكون من الرقى في هذين الأمرين، لكن لا يمنع من الرقية في أي مرض، فكلام الله تعالى شفاء من سائر الأمراض العضوية والنفسية.

تنبيه: قوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس..».

نلاحظ هنا حسن نقاش السلف وحوارهم، فلم يُعملوا أهواءهم، ولم يضللوا أو يبدعوا بعضهم، بل كلٌ يذكر مستنده في العمل الذي عمل به والذي هو عليه، فحصين روى لسعيد حديثًا فاكتفى بذلك وقال: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع» معنى ذلك أن الحجة قامت، حيث سمعتَ حديثًا وعملت به، وهذا يدل على ما وصلوا إليه من العلم والأدب، وحسن الاتباع لهدي النبي في تبليغ العلم وإرشاد الآخرين إذا كانوا مخطئين، وهذا هو منهج العلماء، فالعلماء تختلف اجتهاداتهم، كما قال الرسول : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر»([187]).

فالمخطئ له أجر لأنه اجتهد في العمل بالحديث لكنه لم يصب، والمصيب له أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وهذا من رحمة الله تعالى وسعة فضله.

ثم أورد سعيد بن جبير حديث عبدالله بن عباس ، وهو ابن عم رسول الله وترجمان القرآن، وقد دعا له النبي بقوله: «اللهم! فقّهه في الدين وعلّمه التأويل»([188])، فأعطاه الله من العلم والفقه في الدين ما لم يُعط غيره من فتيان الصحابة، حتى إنه كان ينافس كبار الصحابة بعلمه وفقهه وحسن فهمه ودقة استنباطه.

قوله : «عُرضت علي الأمم» المراد بالعرض: قيل إنه رآه رأي العين. وقيل إنها رؤيا منام. وقيل إنه رأى ذلك ليلة الإسراء والمعراج. وهذا فيه نظر؛ لأن هذا الحديث في المدينة، والنبي كان قد أُسري به في مكة قبل زمن.

قوله: «ومعه الرهط» الرهط: الجماعة دون العشرة.

قوله: «والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» هذا يدل على أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، وأن من الأنبياء من أُرسل ولم يستجب له أحد، كما يدل على قلة أتباع الانبياء، وليست العبرة بالكثرة وإنما العبرة بالحق وأنه منصور حتى لو لم يتبعه إلا القلة، فقد قال تعالى: ﴿ﯳﯴ ﯵ ﯶ [سبأ:13] ، وهذا فيه تثبيت للدعاة إلى الله، فإذا كان هذا حال نبي مرسل من عند الله تعالى وهو مؤيد بالوحي وبالبينات ومع ذلك لم يتبعه أحد، فكيف بالداعية الذي ليس نبيًّا وليست عنده من المعجزات والتأييد بالوحي كما عند الأنبياء، وهذا يربط على قلب الداعية وأنه إنما يدعو لله، أي: لستَ موكلًا بالكثرة لأنك تدعو لله، فمن استجاب فلله الحمد والمنة، ومن أعرض فأنت لا تملك هداية العالمين، فليس عليك إلا البلاغ وهداية الدلالة والإرشاد، أما هداية التوفيق فهي بيد الله جل وعلا وحده، والنتائج عليه سبحانه، كما قيل:

على المرء أن يسعى إلى الخير جهدَهُ

 

وليس عليه أن تتم المطالبُ

ولنعلم أن هذا الطريق ليس فيه كثرة، ﴿ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ [يوسف:103] فعليك بالصبر وعدم اليأس من صلاح الناس وهدايتهم، فإنه لا يضرك قلة الأتباع.

قوله: «إذ رُفع لي سواد عظيم» السواد: الشخص الذي يُرى من بعيد، والسواد العظيم يدل على الكثرة، أي: رُفع لي أشخاص ولكن لا يُميزون لكثرتهم.

قوله: «فظننت أنهم أمتي» أي: أنه عندما رأى السواد ظن أنهم أمته، فقيل له: هذا موسى بن عمران كليم الله ، وهذا يدل على أن أتباعه من بني اسرائيل كثير.

قوله: «فنظرت فإذا سواد عظيم» أي: بعد السواد الأول.

«فقيل: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»: وهذا فيه بشارة لأمة محمد بتحقيقهم التوحيد، وأن الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا سابق عذاب كثير، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

وقد جاء في حديث أبي هريرة في وصف هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه فقال: سمعت رسول الله يقول: «يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر. قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن يرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال رسول الله : اللهم اجعله منهم. ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال رسول الله : سبقك بها عكاشة».