بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.   أما بعد

ماهية الشيطان؟ تلك قضية أساسية في العقيدة .. ماهو الشيطان ؟؟ أهو حقيقي أم معنوي ؟! أم هو الأفكار السيئة والوساوس كما يضن البعض؟ أم هو جراثيم كما يدعي البعض؟! أم ان هذا الشيطان عبارة عن رمز للشر كرمز فقط لنتحدث عنه ؟!وماهي عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القضية ؟

في البداية نستعرض بعض الأدلة الواردة في القران الكريم التي تثبت حقيقة وجود الشيطان :

قال تعالى :( يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعللهم يذكرون * يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون )الأعراف 26-27

وقال تعالى :( ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) البقرة 168-169

قال تعالى :( ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )البقرة 208

قال تعالى:( ياأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم ) النور 21

قال تعالى : (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا*لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا *ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن  آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ) النساء 117-121

قال تعالى (ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون *إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون )المائدة 90-91

عقيدة أهل السنة والجماعة:

عقيدتنا أن الشيطان من الجن قال تعالى : (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه)الكهف 50

فنحن نؤمن بوجود الجن والإنس ،فالشيطان من الجن ، وهو مع كل إنسان ،مع إنسان شيطان، والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه مسلم –حديث ابن مسعود: (مامنكم من أحد إلا وقد وكل قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ، قالوا وأياك يارسول الله ؟ قال :(وإياي ولكن الله –عز وجل-أعانني عليه ، فلا يأمرني إلا بحق )

وللشيطان ذرية ويتكاثر .قال تعالى :( أفتتخذونه وذريته أولياء )الكهف 50

قال ابن القيم – رحمه الله - : إن الله سبحانه بحكمته سلط على العبد عدوا عالما بطرق هلاكه ، وأسباب الشر الذي يلقيه فيها متفننا فيها خبيرا بها حريصا عليها ، لا يفتر يقظة ولا مناما ، ولابد له واحدة من ست ينالها منها .. أحدها ..)الخ .

ثم يقول :فإنه لا ينجو من عدوه إلا من عرفه ، وعرف طريقه التي يأتيه منها وجيشه الذي يستعين به عليه ، وعرف مداخله ومخارجه وكيفية محاربته ، وبأي شيء يحاربه وبماذا يداوي ؟؟ وبأي شيء يستمد القوة لقتاله ودفعه،وهذا كله لا يحصل إلا بالعلم فالجاهل في غفلة وعمى عن هذا الأمرالعظيم والخطب الجسيم ) (1)

يقول حاتم الأصم :

رأيت كل أحد له عدو ،فمن اغتابني ليس بعدوي ، ومن أخذ مني شيئا ليس بعدوي ،بل عدوي من إذا كنت في طاعة أمرني بمعصية الله ،وذلك إبليس وجنوده فاتخذتهم عدوا وحاربتهم .

 

أسباب الحديث عن هذا الموضوع :

•       شدة عداوته كما بين سبحانه في القرآن الكريم .

•       غفلة الكثير عنه وابعاد الموضوع عن طابع الخرافة والشعوذة لإبرازة في قضية واقعية علمية محددة

•       فناء مداخله وكونه يرانا ونحن لانراه وكونه يتفنن في الإضلال

•       كثرة أمراض السحر والعين والمس

•       بيان تأثير هذا العدو على الواقع الذي تعيشه الدعوة هذا اليوم .

وماتمثله بصورة الشيخ النجدي منا ببعيد ..فليست قضيته فردية تنحصر تحت إطار الحرز الفردي فما من شر في الأرض إلا وهو سبب له ولكنها قضية الأمة الإسلامية ككل .

 

مكايده في إضلال الصالحين :

ذكر ابن القيم الجوزية - رحمه الله تعالى- ست مراحل في قضية التدرج في مضمون الدعوة

المرحلة الأولى : الشرك (تشكيك-تشريك-غلو في المخلوق-تعلق بالآثار-تماثيل-تحليل وتحريم-سحر-تحريف الأديان-السحر والكهانة-التقليد).

المرحلة الثانية : البدعة.

المرحلة الثالثة :الكبائر.

المرحلة الرابعة:الصغائر.

المرحلة الخامسة:الإفراط في المباحات.

المرحلة السادسة:الاشتغال بالمفضول عن الفاضل.

فالشيطان حريص في دعوته ،يتدرج في المضمون ، أما في الأسلوب فهو يأخذ خطوة خطوة ،كما يقول الله _سبحانه وتعالى_(كلوا من طيبات مارزقناكم ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )الأنعام 142

يسعى الشيطان بالإنسان في البداية شيئا فشيئا ويتدرج به إلى أن يصل إلى هدفه وهو يدخل كل على نوعيه من الناس بالطريقة التي تناسبها

_يدخل على الزاهد بطريقة الزهد !

_يدخل على العالم من باب العلم !

يدخل على الجاهل من باب الجهل !

 

مداخل الشيطان :

أولا :التحريش بين المسلمين وإساءة الظن :

يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : (إن إبليس قد يئس أن يعبده الصالحون ..ولكن يسعى بينهم في التحريش )

أي يسعى بينهم بالخصومات والشحناء والفتن ويشغل بعضهم في بعض وفي رواية أنه قد يئس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب .

وسوء الظن يكون عادة من الشيطان وقد جاء في حديث صفية بنت حيي أم المؤمنين –رضي الله عنها-تقول : (كان الرسول صلى الله عليه وسلم معتكفا -أي في المسجد-فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ،ثم قمت لأنقلب –أي لأرجع إلى بيتي-فقام معي ليقلبني-أي يرافقني-فمر رجلان من الأنصار _رضي الله عنهما_فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال : (على رسلكما إنها صفية بنت حيي ) فقالا : سبحان الله يا رسول الله أفيك نشك يارسول الله ؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خفت أن يقذف في قلوبكما شرا ، فيقال شيئا ) متفق عليه

 

بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب (2) :

1)     الغضب والشهوة.

    قيل أن الشيطان يقول: كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه ؟

2)     الحسد والحرص.

حيث يجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كل مايوصل إلى شهوته وإن كان منكرا وفاحشا.

3)     الشبع عند الطعام.

وإن كان حلالا صافيا فإن الشبع يقوي الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان.

4)     حب التزيين من الأثاث والثياب والدار.

 فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالبا على قلب الإنسان باض فيه وفرخ فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وصيانتها وتوسيع أبنيتها ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ويستسخره فيها طول عمره وإذا أوقعه في ذلك استغنى أن يدعوه إليها ثانية فإن بعض ذلك يجره إلى بعض.

 

5)     الطمع في الناس.

 

لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى المطموع فيه كأنه معبودة فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك . وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فقد روى صفوان بن سلم أن إبليس تمثل لعبد الله بن حنظلة فقال له : ياابن حنظلة احفظ عني شيئا أعلمك به فقال : لا حاجة لي به . قال : انظر فإن كان خيرا أخذت به وإن كان شرا رددت يابن حنظلة لا تسأل أحدا غير الله سؤال رغبة . وانظر كيف تكون إذا غضبت ؟ فإني أملكك إذا غضبت

 

6)     العجلة وترك التثبت في الأمور .

 

وفي الترمذي وحسنه (العجلة من الشيطان والأناة من الله تعالى )

 

7)     الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال.

 

فإن كل ما يزيد على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان فإن من معه قوته فهو فارغ القلب . فلو وجد مائة دينا مثلا على طريق انبعث من قلبه شهوات تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى

8)     التعصب للمذاهب والأهواء والحقد على الخصوم والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار وذلك مما يهلك العباد والفساق جميعا فإن الطعن في الناس والاشتغال بذكر نقصهم صفة مجبولة في الطبع من الصفات السبعية فإذا خيل إليه الشيطان أن ذلك هو الحق وكان موافقا لطبعه غلبت حلاوته على قلبه فاشتغل به بكل همته وهو بذلك فرحان مسرور يظن أنه يسعى في الدين وهو ساع في اتباع الشياطين

قال الحسن : بلغنا أن إبليس قلت : سولت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المعاصي فقصموا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبهم لا يستغفرون الله تعالى منها وهي الأهواء.

ومن عظيم حيل الشيطان : أن يشغل الإنسان عن نفسه بالاختلافات الواقعة بين الناس في المذاهب والخصومات ،،قال عبدالله بن مسعود : جلس قوم يذكرون الله تعالى فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم ويفرق بينهم فلم يستطع ، فأتى رفقة أخرى يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتتلون – وليس إياهم يريد –

 

ثانيا: تزيين البدعة للإنسان :

يأتي الشيطان ليزين البدعة للإنسان فيقول له : إن الناس في هذا الزمان تركوا الدين وصعب إرجاعهم ،فلعلنا نعمل بعض العبادات فنزيد فيها حتى يرجع الناس إليها ، أو تأتي أحيانا بطريقة تزيدها على العبادة التي قد وردت عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي الشيطان فيقول : زيادة الخير خير فزد فيها ، وتأتي هذه الزيادة في شكل هذه العبادة أو بإضافة عبادة جديدة .

وقد يأتي البعض فيقول : الناس بعيدون عن هذا الدين فلعلنا نأتي ببعض الأحاديث التي تخوفهم ، فيخترعون أحدايث يضعونها على الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون : نحن نكذب ، ولكننا لا نكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نكذب له !!

 

ثالثا : تضخيم جانب على حساب جانب اخر

1.     على المستوى الفردي

•       قد يرتكب الإنسان كثيرر من الذنوب والمعاصي ، ولكنه يصلي معللا ذلك بأن الصلاة عماد الدين وهي أول ماينظر من أعمال المرء يوم الحساب ! فلا بأس من ارتكاب بعض المعاصي!!

•       وقد يأتي إنسان آخر فيقول : (الدين المعاملة) أهم شيء أن تكون طيباً مع الناس لا تكذب عليهم ولا تغشهم حتى ولو لم تصلِّ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (الدين المعاملة)

•       وقد يأتي إنسان آخر : المهم النية الطيبة أبات وأنا ليس في قلبي حسد ولا بغض للناس، تاركاً الأعمال الصالحة مكتفياً بحسن النية .

•       من باب آخر يأتي بعض الناس فيفضل دراسة القرآن وقرآءته وتجويده .. فيفضله تفضيلا على حساب غيره ! فيترك أشياء كثيرة لأنه ضخم هذا الجانب في ذاته .

2.     على المستوى الجماعي

        كمن يقول :المهم هو وحدة الصف ، فيجعلون هذه أهم قضية ولو كانت على حساب العقائد ،يتحدثون مع أناس تختلف عقائدهم عن عقائدنا مدعين أن أهم شيء أن نلتقي نحن الآن في زمان تكالب فيه أعداؤنا علينا ..والصحيح أن نلتقي على أسس ، نلتقي على دين ،لا أن نلتقي على فوضى وعلى خلاف في العقائد.

 

رابعاً:التسويف والتأجيل:

من مداخل الشيطان : التسويف والتأجيل وطول الأمل .

إن الهدف النهائي الذي يبغيه الشيطان منك هو أن يمنعك من العمل ، أو تؤجله وهو مدخل خطير على الصالحين .

يأتيك الشيطان ليقول لك : أنت لست جدير حتى الآن لتعلم الناس أو تدعوهم أننتظر إلى أن نتعلم ونحن مأمورون أن نبلغ ولو آية عندنا.

يقول ابن الجوزي في تلبيس ابليس:

وكم من عازم على الجد سوفه ، وكم من ساع إلى الفضيلة ثبطه ، فلربما عزم الفقيه على إعادة درسه فقال: استرح ساعة ، ومازال الشيطان يحبب الكسل ويسوف العمل ن ولربما دخل الشيطان على العابد في الليل يصلي فيقول له: مازال وقت الليل طويلا ، حتى يأتي الصباح وهو ماصلى !

 

خامسا:الكمال الزائف:

يأتي الشيطان فيشعر الإنسان بأنه كامل فيقول له : أنت افضل من غيرك ، انت تصلي وغيرك كثير لا يصلون ، انت تصوم وغيرك كثير لا يصومون فيجعلك تنظر الى من هو دونك في الأعمال الصالحة ، وماذاك إلا ليثبطك عن العمل . إذا مارأيت أنك أفضل الناس يقول الشيطان: سيشفع لك عملك ، ثم يشغلك بعمل المباحات (استرح قليلا،انت مشغول،انت أفضل من غيرك) .. وهكذا يجعله يسترخي ولا يجد في العمل.

والمطلوب عكس ذلك فتنظر إلى فلان الذي يصوم الاثنين والخميس وأنت لا تصوم ، تنظر إلى فلان الذي يعمل النوافل وأنت لا تعملها هذا هو المطلوب .

 

سادساً: عدم التقدير الصحيح للذات وقدراتها:

للشيطان طريقين في النظر للذات :

1.نظرة الإعجاب والغرور

 فينظر إلى نفسه نظرة إعجاب وغرور وتكبر فيحتقر الآخرين، ويرفض الحق ، ويرفض أن يرجع إذا أخطأ ، يرفض أن يجلس فس حلقة العلم ليتعلم من إنسان آخر، والإنقطاع عن حلقات القرآن خشية أن يقع في الخطأ أمام الآخرين فلا يتعلم طوال عمره.

 

وقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم دوام الإفتقار إلى الله والذل بين يديه واستمداد العون منه لعلمه بأن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن وقد كان يصلي إلى أن تورمت قدماه ويقول: (أفلا أكون عبدا شكورا).

ولا يجتمع الافتقار والعجب في قلب أبدا ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يغرس في نفوس أصحابه هذه المعاني ويرشدهم إلى دوام التواضع لله والاعتراف بين يديه بالتقصير مهما بلغوا

 

ثمرة ذلك في حياة الصحابة :

يقول أبو بكر الصديق (وددت أني شجرة تعضد )

عمر يسأل حذيفة : هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين .

وحين طعن عمر وجلس إليه ابن عباس يواسيه رد عليه بقوله : (أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه : فإنما ذاك منٌّ من الله من به علي ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه : فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره من به علي ، وأما ماترى من جوعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي اطلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه )(3)

وعن عائشة رضي الله عنها لما نزلت برائتها في حادثة الإفك قالت : ( والله ماكنت أظن أن ينزل في شأني وحي ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم فيَّ بأمر ، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها )

ويقول مطرف بن عبدالله-رحمه الله-:لإن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلى من أبيت قائما وأصبح معجباً.

فالكبر مرض قلبي من أكثر الأمراض فتكاً بصاحبه ،ومن علاماته الظاهرة : اظهار الترفع على الناس ، وحب التصدر بالمجالس ، ، والتبختر والإختيال في المشي والتقعر في الحديث والاشمئزاز عن أن يرد عليه كلامه وان كان باطلا والاستخفاف بضعف المسلمين والافتخار بالاباء والنسب والحرص على المدح والتعظيم ومحبة أن يسعى اليه الناس ولا يسعى اليهم وأن يقوموا له ومحبة التقدم على الغير في المشية والجلسة وإبال الثياب خيلاء .

وينبغي أن يكون الدعاة أكثر حذراً من الكبر نظرا لكثرة مداخله عليهم من جهة العلم والعبادة والدعوة والتصدر للإصلاح فهم أحوج الناس إلى التذكير .(4)

 2.التواضع والإحتقار.

         فيقول له الشيطان :لست بكفْ لهذه الأمور فيجعلك تحتقر ذاتك إلى درجة أنك لا تستفيد من الطاقات التي عندك لتقدمها ، وكل منا مسؤول عما عنده منة قدرات وطاقات وسيحاسب ، وهذا لا يكون تواضعا بل هروبا من المسؤلية وهروباً من أداء الواجب ، لكن الشيطان يقول له : دع هذا المجال لمن هو أفضل منك ، الدعوة عمل شريف عمل للرجال الأفذاذ القلائل ، ويأتيه الشيطان بفكرة تساعده على ذلك فقد يخطئ هذا الإنسان في أثناء أدائه لرسالته فيجعله يعمم الخطأ هذا التعميم وهو مدخل الشيطان وعمله ، وقد يدفع الشيطان  الإنسان إلى أن يحتقر ذاته فيلغي عقله.

 

سابعا : التشكيك:

يأتي الشيطان مثلا فيشكك في صحة التربية التي يسير عليها رجل مستقيم ملتزم على ماشرع الله بعيد عن المنهيات ، يأتيه فيشككه في صحة هذا الطريق الذي يسير عليه خاصة إذا التقى هذا الإنسان المستقيم بأناس سيئين غير ملتزمين بشرع الله ، فيأتيه الشك موسوساً (كل هؤلاء الناس في النار وأنت في الجنة ؟!)

والصواب ألا تجعل الكثرة والقلة مقياسك .. فالحق هو الذي يوافق كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

يقول التابعي نعيم بن حماد : إن الجماعة ما وافق طاعة الله –عز وجل- وإذا فسدت الجماعة فعليك بماكانت عليه الجماعة قبل أن تفسد ، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة .

ومن مداخل الشيطان في مجال التشكيك في النية أن يقول للإنسان : أنت مرائي ومنافق تعمل عملك الصالح من أجل الناس ليترك الرجل العمل .

إن مراجعة النفس مطلوبة ، ولكن ليست تلك المراجعة التي تجعلك تترك العمل ، بل المراجعة التي تجعلك تعمل وتزيد في العمل.

-عن ابن عباس رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله : إني لأحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (الله أكبر ، الله أكبر ، الحمدلله الذي رد كيده إلى الوسوسة ) (5)

- وقال صلى الله عليه وسلم : (لن يدع الشيطان أن يأتي أحدكم فيقول : من خلق السماوات والأرض ؟ فيقول : الله ، فيقول : من خلقك ؟ فيقول : الله ، فيقول : من خلق الله فإذا أحس أحدكم بذلك فليقل : آمنت بالله ورسله).(6)

- وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر : (يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول: من خلق كذا ؟من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته)

ومن مداخله أيضا تلبيسه على العباد في الوضوء فمنهم من يلبس عليه بكثرة إستعمال الماء وذلك بجمع أربعة أشياء مكروهة كالإسراف في الماء ، وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب ، والتعاطي على الشريعة اذا لم يقتنع باستعمال الماء القليل ، والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على الثلاث وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة أو فات أوله -وهو الفضيلة- أو فاتته الجماعة .

ومنهم من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضأ به فيقول: من أين لك أنه طاهر ويقدر له فيه كل احتمال بعيد وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل بالإحتمال .

ومن تلبيسه في نية الصلاة فمنهم من يقول أصلي صلاة كذا ثم يعيد ظنا منه أنه قد نقض النية والنية لا تنقض وإن لم يرضى اللفظ ، ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض .

دخل أبي حازم المسجد فوسوس إليه ابليس انك تصلي بغير وضوء فقال: مابلغ نصحك إلى هذا.

 

ثامنا:التخويف :

للشيطان طريقان لتخويف الإنسان:

1.التخويف من أولياء الشيطان.

فالشيطان يخوف الإنسان من جنده وأوليائه أصحاب المعاصي والفسوق ، يقول : انتبه منهم فهؤلاء عندهم قوة ضخمة ، فيترك الطاعة ويترك العمل !

2.التخويف من الفقر.

يقول تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)البقرة آية: 268

يوسوس للإنسان فيقول له : إذا تركت هذه الوظيفة فأين تجد وظيفةأخرى ؟! ستكون فقيراً جداً ، فيخشى الفقر فيعمل الحرام .. وذلك مثل الذي يحلل بيع الخمر وهو مسلم لأن الشيطان دخل عليه من هذا الجانب بينما يقول تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ).

وأحياناً يزين الشيطان الباطل لأصحاب الدعوة فيحلل حراماً ، بحجة أن مصلحة الدعوة أن تكذب !!

 

تاسعاً: سوء الظن بالمسلمين:

فمن يحكم بشر على غيره بالظن فيدفعه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الإحتقار ويرى نفسه خيراًمنه . وكل ذلك من المهلكات ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم .

عن صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ . فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) . (7)

 فلا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله ؟ فيقول : مثلي لا يظن به إلا الخير إعجاباً منه بنفسه فيجب الإحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر ،فمهما رأيت انسانا يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه .

يقول الغزالي - رحمه الله - : فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه ، وفي هذا القدر ماينبه على غيره فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومدخل من مداخله.(8)

ـــــــــــــــ

(1)مفتاح دار السعادة 1/206

(2) باختصار من إحياء علوم الدين 3/32 ومابعدها.

(3)رواه البخاري رقم 3692

(4)عقبات علون1/78

(5) رواه البخاري كتاب بدء الخلق ،باب:صفة إبليس وجنوده6/.... ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان1/120

(6) أخرجه احمد في مسنده (1/235) وأبو داود في سننه كتاب الأدب باب في رد الوسوسة 5/336 ، عن ابن عباس بلفظ ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يارسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون صممه أحب إليه من أن يتكلم به ..) الحديق ، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد نحوه مختصراً (1/343) وقال : رواه الطبراني في الصغير ، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني منتصر .

(7) رواه البخاري (2035) ومسلم (2175).

(8)الإحياء 3/36-37

 

{mosimage}

قال ابن القيم -رحمه الله-: ان الله سبحانه بحكمته سلط على العبد عدوا عالما بطرق هلاكه ، وأسباب الشر الذي يلقيه فيه متفننا فيها خبيراً بها حريصاً عليها ، لا يفتر يقظة ولا مناماً ، ولاينجو منه إلا من عرفه ، وعرف طريقه الذي يأتيه منها وجيشه الذي يستعين به عليه ، وعرف مداخله وخارجه وكيفية محاربته وبأي شئ يحاربه؟ وبماذا يداوي جراحه ، وبأي شئ يستمد القوة لقتاله ودفعه ، وهذا كله لا يحصل إلا بالعلم

أوقات الصلاة