من معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن, وهو من أعظم آياته ,الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي e : "ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أُوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ([1]) .

قال الذهبي – رحمه الله – معلقاً على هذا الحديث: "قلت هذه المعجزة العظمى وهي (القرآن) فإن النبي من الأنبياء عليهم السلام كان يأتي بالآية وتنقضي بموته، فقلَّ لذلك من يتبعه، وكثر أتباع نبينا e لكون معجزته الكبرى باقية من بعده، فيؤمن بالله ورسوله كثير ممن يسمع القرآن على مر الأزمان، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ا.هـ ([2]) .

وذكر ابن حجر – رحمه الله – لهذا الحديث عدة معانٍ منها:

أن القرآن هو المعجزة العظمى التي تحدى بها الرسول e العرب والعجم، وهي خاصة به، وليس المراد أنه لم يؤت غيرها.

ومنها: أن هذا القرآن ليس لـه مثل، بخلاف غيره من المعجزات.

ومنها: أن كل نبي قبله يأتي بمعجزة، إنما يكون مثلها حصل لغيره من الأنبياء عليهم السلام.

أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فلم يؤت غيره مثله.

ومنها: أن معجزات الأنبياء – عليهم السلام – انقرضت بانقراض أعصارهم، أما معجزة القرآن الكريم فهي باقية ودائمة.

وذكر أقوالاً أُخرى ثم عقب بقولـه – رحمه الله – : "ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضاً"ا.هـ([3]).

وقد جاء التحدي في القرآن الكريم في عدة آيات من كتاب الله العزيز:

الأول في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿٢٤﴾ [البقرة:23-24].

ففي قولـه تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] تحد ظاهر، ثم في قوله تعالى تحدٍ ثان وأيضاً في قوله تعالى: الآية، تحد ثالث، مع اشتماله على الخبر عن المستقبل بعجزهم فكان كما أخبر، وهذا لا يمكن الجزم به إلا ممن يعلم السر وأخفى، فدلَّ على أن هذا قوله الثاني([4]) في قوله تعالى وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٧﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣٨﴾ [يونس:37-38].

ففي هاتين الآيتين وقع التحدي في قولـه تعالى وقولـه تعالى:  ، فلم يستطع بشر أن يأتي بمثله، وفي قولـه تعالى:
   وهذا قمة التحدي.

الثالث: في قولـه تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٣﴾: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٤﴾ [هود:13-14].

الرابع: في قولـه تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴿٨٨﴾ [الإسراء:88].

فهذا لا يمكن صدوره من مخلوق، إذ مبناه على علم ما سيكون، ولاسيما من نبي يدعو قومه إلى عبادة الله جل وعلا، وإثبات صدقه، مع تكذيبهم له، ووصفه بالكذب، فعُلم أن ذلك من عند الرب سبحانه وتعالى.

الخامس: في قولـه تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٩﴾ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٠﴾

[القصص:49-50] .

ففي قولـه تعالى تحدٍ وفي قولـه تعالى: تحدٍ ثانٍ، إذ هو تقريع وزجر لهم بتركهم الاستجابة مع عجزهم، وفي قولـه تعالىتحد ثالث.

السادس: في قولـه تعالى أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٣﴾ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴿٣٤﴾ [الطور:33-34] .

وهذه الآيات مما وقع فيها التحدي ظاهراً جلياً، وأما ما وقع فيه التحدي ضمناً فكثيرة جداً ([5]) ، وهذا بمجموعه يقوي الدوافع، ويشحذ الهمم ([6]) .

ومع ذلك عجزوا ومما يدل على عجزهم أمران:

الأول: أنهم لو استطاعوا ذلك لنقل، واستفاض، لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله، ولا يصح أن يقال: عروض ولم ينقل، لأن ذلك مما لا يمكن كتمانه، علاوة على أن ذلك يمكن أن يقال في آية كل نبي، وعليه تبطل جميع آيات الأنبياء.

الثاني: أنهم لو استطاعوا معارضته، لكان في ذلك حجة لهم في إبطال رسالته، ولما احتاجوا مع ذلك إلى سفك الدماء، وإزهاق الأرواح وبذل الأموال، وسبي الذرية.

ولو لم يتيقن عليه الصلاة والسلام بعجزهم، لما تحداهم به، لاسيما وهم أمم كثيرة، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فدل ذلك على يقينه بأن ذلك مما لا يكون في استطاعتهم ([7]) .

قال بعض العلماء: "ذكر أدلة نبوة محمد e من الكتاب العزيز، والكتاب العزيز كله دليل على صدق رسالته بل كل سورة منه دليل عليها لمكان العجز عن الإتيان بمثلها .. فإذن تبلغ أدلة التعجيز منه مبلغاً يزيد على الألف دليل وهذا من أسرار الكتاب العزيز، وعجائب التنزيل" ا.هـ ([8]) .

وللعلماء أقوال كثيرة في أوجه إعجاز القرآن أجملها فيما يلي([9]) :

أولاً: إعجازه من حيث البيان والبلاغة، وعجيب التأليف وتتبين فيما يلي:

1- من حيث الجملة، فهو مباين للمألوف من كلام البشر، على اختلاف أوجه نظمه.

2- أنه ليس للعرب كلام بهذا الطول مع تلك البلاغة والبيان، بل كل ما ينسب إلى شعرائهم وفصائحهم كلمات معدودة وحكم يسيرة، ولهذا قد يبرز أحدهم في فن ولا يبرز في فن آخر، ثم هذه الجمل اليسيرة قد تعارض وقد يظهر فيها الخلل، وعدم الانسجام، أما القرآن العظيم فمع طولـه فهو متناسب في أرقى مراتب الفصاحة في جميع سوره وآياته.

3- عجيب نظمه، وتآلف أجزائه، مع اختلاف موضوعاته، ففيه الوعد والوعيد، والترهيب والترغيب، وفيه القصص والسير، وفيه التشريع والأحكام، ومع هذا لا تنافر ولا اختلاف.

4- كثرة المعاني مع الإيجاز، وتأمل قولـه تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٧٩﴾ [البقرة:179] قال الفيروزابادي ([10]) – رحمه الله – هذه أربع كلمات وستة عشر حرفاً تتضمن ما ينيف على ألف ألف مسألة، قد تصدى لبيانها علماء الشريعة .. حتى بلغوا أُلوفاً من المجلدات، ولم يبلغوا بعد كنهها وغايتها"ا.هـ ([11]) .

وتأمل قولـه تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴿٦٧﴾ [الزخرف:67].

وتأمل قولـه تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿١٩٩﴾ [الأعراف:199] . "فإنها جامعة لجميع مكارم الأخلاق"([12]).

الثاني: ما اشتمل عليه من الإخبار بأمور الغيب، مما لا يمكن لبشر الاطلاع عليه من مثل قولـه تعالى الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ [الروم:1-3] فوقع كما أخبر.

وقولـه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿٢٧﴾ [الفتح:27].

وقولـه تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٩﴾ [الصف:9] ، فتحقق ما وعد به جل وتعالى رسوله فظهر هذا الدين على سائر الأديان.

وقولـه تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴿٤٤﴾ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿٤٥﴾ [القمر:44-45] فكان ذلك يوم بدر.

وقولـه تعالى: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٤﴾ [البقرة:94]  فلم يتمنه أحد، فظهرت معجزته وبانت حجته عليه الصلاة والسلام والحمد لله رب العالمين.

الثالث: ما احتوى عليه من أخبار الأمم البائدة، وقصصهم مما لا يمكن العلم به، ولا يوجد منه إلا أخبار يسيرة، عند بعض علماء أهل الكتاب على ما فيها من تحريف، ونقص، ونسبة الأفعال المشينة إلى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾ [يوسف:3] .

وقولـه تعالى: ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١٠٢﴾ [يوسف:102].

وقولـه: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾ [يوسف:111].

وقولـه: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٩﴾

[هود:49] .

الرابع: ما تضمنه من الإخبار بما تكنه الضمائر كما في قولـه تعالى: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٢٢﴾ [آل عمران:122] .

وقولـه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٨﴾ [المجادلة:8] .

وقولـه تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٩٥﴾

[البقرة:95] .

الخامس: المهابة والخشية التي تلحق بالقلوب عند تلاوته، وتأثيره في النفوس، وعدم الملل من ترداده وتكراره، لهذا كان السبب في إسلام عدد من الصحابة عندما سمعوه.

قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾ [الحشر:21] ، وقولـه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾ [الزمر:23] .

السادس: الإعجاز في تشريعاته، وأحكامه، التي فاقت جميع النظم والقوانين.

السابع: حفظ الله تعالى لـه، فلا يمكن لبشر أن يزيد فيه أو ينقص ولو رام ذلك مخلوق، لانكشف ذلك للعيان من سائر الناس.

الثامن: إعجازه العلمي، وهذا يظهر من خلال دعوته للإنسان بالنظر والتأمل، وحثه على التفكير في خلق الله، قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠١﴾ [يونس:101]. وقولـه تعالى وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾ وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾ [الذاريات:20-21].

يقول موريس بوكاي: "لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه "الظواهر" وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي، أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه "الظواهر" والتي لم يكن ممكناً لأي إنسان في عصر محمد أن يكوّن عنها أدنى فكرة.." ا.هـ ([13]) ويقول أيضاً: "وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث"ا.هـ([14]).

وعدَّ بعض العلماء ([15]) الصرفة نوعاً من الإعجاز، وهذا لا يصح حيث إن الصرفة ليست إعجازاً، أما القول بالصرفة فقد قال به بعض المتكلمين ومن أشهر من عرف عنه هذا القول النظّام ([16]) من المعتزلة حيث زعم "أن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليس بمعجزة للنبي e ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدق ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف.."([17]).

وأبو المعالي الجويني ([18]) ، وبعض القدرية، وابن حزم الأندلسي([19]) .

ومعنى هذا القول إبطال الإعجاز في النظم والتأليف والفصاحة والبلاغة، والزعم بأن عجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن لأن قدراتهم سلبت، ولأنهم صرفوا عن ذلك الأمر، والقائلين بهذا القول على رأيين:

الأول: أن العرب صرفوا عن المعارضة بصارف خارج عنهم، فلم تكن لديهم قدرة على معارضة القرآن، وهذا قول النظام.

الثاني: أن الله سبحانه وتعالى، سلب العرب علومهم، ومواهبهم في الفصاحة والبلاغة والبيان ([20]) .

وهذا القول من أضعف الأقوال وأفسدها كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ([21]) ويظهر بطلان وفساد هذا القول في الأوجه التالية:

الأول: أن الله تعالى قال قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴿٨٨﴾

 [الإسراء:88] ولو كان الإعجاز بالصرفة، لكان لا فائدة من اجتماعهم، إذ هو بمثابة اجتماع الموتى، إذ قد سلبوا جميعاً القدرة على المعارضة.

الثاني: أن إثبات هذا القول يلزم منه ألا يكون القرآن معجزاً، بل يكون المعجز هو الله عز وجل، ومعلوم أن الإجماع منعقد على إعجاز القرآن قبل ظهور القول بالصرفة كما نص على ذلك السيوطي ([22]) والقرطبي ([23]) – رحمهما الله – وغيرهم.

الثالث: كما يلزم من هذا القول أن يزول الإعجاز بزوال زمن التحدي وهذا خلاف الإجماع ([24]) .

الرابع: لو صح هذا القول، لوجد من أشعار العرب السابقة ما يضاهي القرآن، وهذا لم يكن ([25]) .

الخامس: أنه يلزم منه أن يكون القرآن الكريم كسائر الكلام لا مزية له عليها بشيء، غير أنه لا يمكن معارضته، لأن الله عز وجل صرف قدرة العباد على ذلك.

السادس: أن الله عز وجل وصف القرآن بأوصاف لا يمكن أن يوصف بها غيره، كقولـه تعالى: أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٣١﴾ [الرعد:31] الآية وقولـه: نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾ [الزمر:23]. وغير ذلك فدل على أن القرآن معجز بذاته.

السابع: أنه ينبغي بناء على قولـهم هذا أن يكون القرآن الكريم في أقل مراتب الفصاحة والبلاغة، حتى يكون العجز عن الإتيان بمثله أبلغ في التحدي.

الثامن: ما ثبت بالتواتر بأن الدواعي لمعارضة القرآن موجودة، والهمم متحفزة إلى المعارضة، مع ما في نفوسهم من شدة العداوة لمحمد عليه الصلاة والسلام، والقرآن تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، ولو سلبت قدراتهم وعلومهم لظهر لهم ذلك، ولجاز لهم أن يدّعوا أن هذا سحر ولقالوا كنا نستطيع ذلك ولكن حلت بيننا وبينه بسحرك.

التاسع: أن هذا القول يعود أصله إلى أقوال البراهمة ([26]) .

العاشر: أن القول بالصرفة ينفي أن يكون للقرآن بذاته إعجازاً، ومعلوم أن معجزات الأنبياء السابقين كانت معجزة بذاتها، فلم يقدر أحد أن يعارضها أو يأتي بمثلها، فهل يعقل أن تكون معجزة محمد e الخالدة أقل قدراً مما سبقها من معجزات الأنبياء؟!

الحادي عشر: أن هذا القول يشبه القول بأن القرآن سحر يؤثر، حيث إن غاية كلا القولين أن إعجازه أمر خارج عنه.

الثاني عشر: ما ثبت من الروايات الكثيرة من تأثرهم ببلاغة ونظم القرآن بذاته، ولقد كان سماع القرآن الكريم سبب إسلام عدد منهم كعمر بن الخطاب – رضي الله عنه وأرضاه – وغيره.

الثالث عشر: لو قيل: إن إعجاز الكفار عن المعارضة كان لصارف ثبط عزائمهم وعاق قدرهم البيانية لنقل ذلك، ولكان من المشركين تظاهر بذلك، وادعاء بأن ذلك في الإمكان، فلما لم يحصل منهم اجتماع أو تواطؤ على المعارضة دل على بطلان هذا القول.

الرابع عشر: يلزم من هذا القول أن تنقص مقدرة العرب البيانية، عما كانوا عليه في الجاهلية، وينزل مستوى الشعر والنثر عما كان عليه، وهذا غير واقع.

الخامس عشر: أن مثار إعجابهم، هو القرآن نفسه، بما حوى من ضروب الإعجاز، ولم يكن إعجابهم لعدم المعارضة ([27]) ، وبعد أن تبين لنا بطلان القول بالصرفة، نعود للحديث عن إعجاز القرآن، فأقول: إنه من خلال تلك الوجوه مجتمعة، تظهر جوانب الإعجاز، ولا ينبغي القول بأن الإعجاز حصل بنوع دون سواه، لأن التحدي صريح في الإتيان بمثل القرآن ([28]) وجميع هذه الأوجه قد اشتمل عليها القرآن.

قال الزركشي ([29]) – رحمه الله – : "قول أهل التحقيق أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد عن انفراده، فإنه جمع كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق" ا.هـ ([30]) .

وفي كثرة هذه الأوجه رد على زعم أن التحدي لا يكون إلا لمن هو في درجة من الحصافة، إذ إن الأوجه يشترك في إدراكها العام والخاص ([31]) .

 

وهذا العجز يشمل الإنس والجن، فإن قيل: كيف لنا معرفة عجز الجن؟!

فالجواب في عدة أوجه:

منها: أن الله عز وجل أخبر بعجز الجن والإنس جميعاً مع اتحادهما، فالافتراق من باب أولى.

ومنها: أنه قد رويت أشعار للجن، وقد حفظت وهي لا تتجاوز ما عند الإنس، بل قد تضعف عنها.

ومنها: ما ذكره الله في القرآن من تعجب الجن لهذا القرآن في قولـه وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٢٩﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٠﴾ [الأحقاف:29-30] وقولـه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴿١﴾ [الجن:1] .

 

ومن خلال هذه الأوجه يتبين عجزهم ([32]) .

 

 

فهل تعي أمة الإسلام  عظمة هذة المعجزة التي بين ييها وتجعل منها منهج أمة تسير عليه وتهتدي بهديه؟؟!!

 

 

 

 

 

قالته وكتبته الفقيرة لعفو ربها القدير /قذلة بنت محمد ال حواش القحطاني

 في27 /3/1415هـ

 



([1])   رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل رقم 4696 (4/1905)، ورواه أيضاً في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت بجوامع الكلم" رقم 6846 (6/2654)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رقم 239 (1/134).

([2])   السيرة للذهبي، ص286.

([3])   فتح الباري (8/623).

([4])   انظر إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأحمد الزيدي ث22، ولوامع الأنوار
(1/171-172).

([5])   كما في يونس آية 42-43، والرعد: آية 31، والعنكبوت آية 51، الحشر: آية 21، ويونس آية 42-43، الرعد، آية 31.

([6])   انظر إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأحمد الزيدي، ص22-25.

([7])   انظر إعجاز القرآن للباقلاني، ص43، وأعلام النبوة للماوردي، ص71، وشمائل الرسول لابن كثير، ص127.

قال الباقلاني: وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى الدرة اليتيمة، وهما كتابان: أحدهما يتضمن حكماً منقولة، توجد عند حكماء كل أمة .. فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى، والآخر في شيء من الديار، وقد تهوَّس فيه مما لا يخفى على متأمل، وكتابه الذي بيناه في الحِكَم، منسوخ من كتاب بزر جمهر في الحكمة فأي صنع له في ذلك وأي فضيلة حازها؟ وبعد، فليس يوجد له كتاب يدَّعي مدع أنه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة، ثم فرق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره .." ا.هـ، إعجاز القرآن، ص56.

([8])   رسالة استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن الحنبلي ضمن الرسائل المنيرية
(3/54).

([9])   انظر إعجاز القرآن للباقلاني (57-66)، وإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم لأبي الحسين الزيدي وانظر أعلام النبوة للماوردي (58-83) والشفا (1/358-396) والإعلام للقرطبي (3/323-347)، والشمائل لابن كثير ص(126-135) والبرهان في علوم القرآن للزركشي (2/90-117)، وبصائر ذوي التمييز(1/65)، والإتقان للسيوطي (2/252-270)، وإعجاز القرآن للرافعي، ص56 وما بعدها، ومباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان، ص257-275.

([10])   محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر مجد الدين الشيرازي الفيروز ابادي: من أئمة اللغة والأدب ولد بكارزين .. من أعمال شيراز، وانتقل إلى العراق وجال في مصر والشام، ودخل بلاد الروم والهند، كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير وتوفي في زبيد (سنة 817)، أشهر كتبه "القاموس المحيط"، الأعلام (7/146-147).

([11])   بصائر ذوي التمييز (1/69).

([12])   بصائر ذوي التمييز (1/71).

([13])   دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص144-145.

([14])   المرجع السابق، ص13.

([15])   كأبي القاسم التيمي في كتاب الحجة على تارك المحجة (1/350)، وكذلك أبو الحسين الزيدي في كتاب إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ص28، حيث قال: "ويكفي في آية واحدة من آيات التحدي أن يقرع أسماعهم فكيف يصح أن يقال: إنها لم تبلغهم، إلا أن يكون الله تعالى صرفهم عن سماعها ولئن جاز ذلك، فالصرف من عظيم المعجزات" ا.هـ وكذلك الرماني كما نقله السيوطي في الإتقان
(2/263).

([16])   إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظّام: من أئمة المعتزلة تبحر في علوم الفلسفة واطلع على أكثر ما كتبه رجالها، وانفرد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت "النظامية" وقد ألفت كتباً خاصة للرد على النظام فيها تكفير وتضليل.." توفي سنة 231هـ، الأعلام للزركلي (1/43)، وانظر تاريخ بغداد (6/97)، والفرق بين الفرق للبغدادي، ص113.

([17])   الفرق بين الفرق ص128، وانظر الانتصار للخياط، ص68.

([18])   انظر العقيدة النظامية، ص73-74، حيث صرح بهذا الرأي.

([19])   انظر الفصل في الملل والنحل (3/27-29).

([20])   انظر أعلام النبوة للماوردي، ص72، ومباحث في إعجاز القرآن لمصطفى مسلم، ص57.

([21])   انظر الجواب الصحيح (4/75).

([22])   انظر الإتقان (2/255-256)، والخصائص الكبرى (1/194).

([23])   انظر الجامع لأحكام القرآن (1/66).

([24])   انظر الإتقان (2/255-256).

([25])   انظر إعجاز القرآن للباقلاني، ص(52-53)، وص175-196، وانظر لوامع الأنوار (1/174).

([26])   كما ذكر الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله – حيث قال: يقول في ذلك أبو الريحان البيروني في كتابه، ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرزولة ما نصه: "أن خاصتهم يقولون في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراماً لها" ا.هـ.

ثم عقب بقولـه: "ولم يبين البيروني وجه المنع أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب، أم هو منع تكويني بمعنى أن برهما صرفهم بمقتضى التكوين عن يأتوا بمثلها، والأخير هو الظاهر لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم، وما اشتهروا من أن القول بالصرفة نبع في واديهم" ا.هـ، القرآن المعجزة الكبرى، ص79.

والبرهمية: ديانة من ديانات الهند القديمة، وهم يعتقدون وحدة الوجود والتناسخ أي عودة الأرواح إلى الأجساد في الدنيا، وهم يقدسون البقر ويحرمون ذبحها لاعتقادهم أن الأرواح الطاهرة تحل فيها، ويقدسون الثعابين والتماسيح، ومن عاداتهم إحراق موتاهم، ومن كتبهم المقدسة "الفيدا" و"منافا دار ماساسترا" و"ماهاباراتا" و"رميانا" و"دبور أنا" و"الفيدا" يحتوي فقط على البرهمية الأولى، وأما البورأنا فيمثلها مختلطة بالتثليث والعقائد الخاصة بالإله فيشنو.

انظر دائرة معارف القرن العشرين (2/159) وما بعدها.

([27])   انظر إعجاز القرآن للباقلاني (53-54)، الشفا (1/373، 530)، وأعلام النبوة للماوردي، ص72 وما بعدها، والرسالة الشافية في وجوه الإعجاز للجرجاني (ص611-616)، والبداية والنهاية (6/81)، والجواب الصحيح (4/75) والإتقان (2/255-256)، والخصائص الكبرى (1/194)، ولوامع الأنوار (1/174)، وإعجاز القرآن للرافعي 53-54، 146 وما بعدها، والمعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة 79-85، ومناهل العرفان (2/310-312) و(1/210-216)، وإظهار الحق (3/798-800)، ومباحث في إعجاز القرآن، ص57-62.

([28])   ذكر الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله – أن التحدي للعرب كان في الإتيان بمثل المنهج البياني للقرآن!!

حيث يقول: ".. ولكن نرى أن الله تعالى تحدى العرب أن يأتوا بمثله ولو مفترى، فكان التحدي للعرب ابتداء بالمنهج البياني للقرآن، وهو الذي استرعى ألبابهم ولعله لم تكن بلغت مداركهم العقلية والقانونية أن يعرفوا مدى ما في أحكام القرآن من تنظيم سليم للمجتمع.." ا.هـ. المعجزة الكبرى، ص95، وانظر ص94، وقوله هذا ما هو إلا دليل عليه، بل هو مخالف للآية (فليأتوا بحديث مثله) وهذا يشمل القرآن كله.

([29])   بدر الدين أبو عبدالله محمد بن بهادر بن عبدالله المصري الزركشي الشافعي الإمام العلامة المصنف المحرر ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، كان فقيهاً أصولياً أديباً فاضلاً توفي بمصر، سنة 794 شذرات الذهب (6/335) وانظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (3/397-398).

([30])   البرهان في علوم القرآن (2/106).

([31])   انظر الإعلام للقرطبي (3/326).

([32])   انظر إعجاز القرآن اللباقلاني، ص65، والمنهاج في شعب الإيمان (1/283)، وانظر البرهان في علوم القرآن (2/111).