والذي تم تقديمه ضمن اليوم العلمي بالجمعية العلمية لعلوم العقيدة والأديان والمذاهب المعاصرة
الأربعاء12 /4 /1435

تاليف

د. قذلة بنت محمد بن عبدالله آل حواش القحطاني

لتحميل البحث كاملا/

رابط الموقع

http://www.d-gathla.com

رسالة عاجلة

         إلى كل من آمن بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً.

         وإلى كل مسلم ومسلمة في مشارق الأرض ومغاربها، شاهَد وسَمِعَ هذه الحرب الحاقدة على أشرف الخلق وسيد المرسلين الذي خرَّت لمبعثه الأوثان والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، وقائد الغر المحجلين، وحامل لواء الحمد يوم الدين.

         وإلى كل يهودي أو نصراني يبحث عن الحق، ويريد الهداية إلى طريق النور والصراط المستقيم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الـمـقـدمــــة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.

وبعـد:

في ظل الهجمة الشرسة والحرب الحاقدة على عرض نبينا محمد × والمتمثلة في الحملات الإعلامية النرويجية والدنماركية والتي تحاول تشويه صورة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - كان واجباً على أبناء الإسلام أن يهبوا لنصرة نبيهم الكريم والذب عن عرضه، وبذل دماءهم وأموالهم دون عرضه الشريف - عليه الصلاة والسلام - إيفاءً بمحبته وتقديمه على النفس والمال والولد وهذا برهان الصدق كما في الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب  إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».

وأود أن أؤكد أن هذه الحملات على شراستها وما تكنُّه من حقد وكيد للإسلام لا تعدو أن تكون أقوالاً جوفاء لا تنقص من مكانة هذا النبي العظيم ومنزلته في قلوب العالم أجمع، بما حوى من الديانات والمذاهب والاتجاهات ..

حيث يقر المنصفون منهم على جلالته وتعظيمه في نفوس أعدائه عبر التاريخ.

فقد ذكر المؤرخون كيف كانت ملوك النصارى يعظمون الكتاب الذي يبعث به النبي صلى الله عليه وسلم .

يقول الحافظ ابن حجر: ذكر السهيلي أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيماً له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة ثم كان عند سبطه فحدثني بعض أصحابنا أن عبدالملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب فلما رآه استعبر وسأل أن يمكّنه من تقبيله فامتنع» ا.هـ.

ويقول المستشرق الكندي د. زويمر في كتابه الشرق وعاداته: «إن محمداً كان ولاشك من أعظم القواد المسلمين الدينيين ويصدق عليه القول بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء» ا.هـ.

إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

           إن ثبوت نبوة محمد e من الأمور التي لا تحتاج إلى جدال، لأن جحدها إنكار للربوبية والألوهية، بل إنكار للكتب والشرائع وإنكار لنبوة جميع الأنبياء من قبله، وبيان ذلك أن تلك العقائد لم تعرف على الوجه الصحيح إلا عن طريقه e كما أن جميع الرسل قبله بشروا بنبوته فيلزم من تكذيبه، تكذيب الرسل من قبله، وهو عليه الصلاة والسلام جاء بالآيات الباهرات، والدلائل العظام على نبوته، مما لم يأت به نبي قبله، فإذا نتفت نبوته مع وضوحها، كان الانتفاء لغيرها من باب أولى .

  انظر هداية الحيارى، ص359-365.

أبرز أهم الدلائل على نبوته

ثانياً: إثبات نبوته e من خلال النظر في أحواله e قبل البعثة

وبعدها.

ثالثاً: إثبات نبوته e من خلال ما أخبر به من قصص الأنبياء وأخبار السابقين.

رابعاً: إ ثبات نبوته e بإثبات وجود جنس الأنبياء ابتداء.

خامساً: بعثته في زمن كان الناس بأشد الحاجة إلى رسول.

سادساً: البشارة بنبوة محمد e في الكتب السابقة

وإليك التفصيل:

المعجزة الكبرى

ومن أعظم آياته القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي e : "ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أُوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة«

. رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل رقم 4696 (4/1905)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رقم239

قال الذهبي – رحمه الله – معلقاً على هذا الحديث:

"قلت هذه المعجزة العظمى وهي (القرآن) فإن النبي من الأنبياء عليهم السلام كان يأتي بالآية وتنقضي بموته، فقلَّ لذلك من يتبعه، وكثر أتباع نبينا e لكون معجزته الكبرى باقية من بعده، فيؤمن بالله ورسوله كثير ممن يسمع القرآن على مر الأزمان، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ا.هـ .

 السيرة للذهبي، ص286.

آيات التحدي

ورد التحدي بالقران الكريم في خمس آيات من خمس سور،هي على ترتيب السور :

1-في سورة البقرة : ((وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ )) الآية 23


2- في سورة يونس : ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [يونس الايه 38


3- سورة هود : ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْمِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [هود: الايه 13


4 / سورة الإسراء : ((قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيرا )) الآية 88


5 / سورة الطور / وقوله تعالى{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}الطور33-34،

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) سورة الإسراء

فهذا لايمكن صدوره من مخلوق،إذ مبناه على علم ما سيكون.

وهذه الآيات مما وقع فيها التحدي ظاهراً جلياً، وأما ما وقع فيه التحدي ضمناً فكثيرة جداً ، وهذا بمجموعه يقوي الدوافع، ويشحذ الهمم .

ومع ذلك عجزوا ومما يدل على عجزهم أمران:

الأول: أنهم لو استطاعوا ذلك لنقل، واستفاض، لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله، ولا يصح أن يقال: عروض ولم ينقل، لأن ذلك مما لا يمكن كتمانه، علاوة على أن ذلك يمكن أن يقال في آية كل نبي، وعليه تبطل جميع آيات الأنبياء.

الثاني: أنهم لو استطاعوا معارضته، لكان في ذلك حجة لهم في إبطال رسالته صلى الله عليه وسلم،ولما احتاجوا مع ذلك إلى سفك الدماء وبذل الأموال ،وسبي الذرية

وأما آياته، وبيناته e غير القرآن فهي كثيرة، وقد أفردت فيها المصنفات الكثيرة، ومنها:

انشقاق القمر، وتكثير الطعام القليل، وانقياد الشجر، وشهادته على نبوته e ، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في كفه الشريفة e ، واستجابة دعائه في كثير من المواطن، وتكليم البهائم والسباع، وسجودها له وتسليم الأحجار والأشجار عليه، ونبع الماء من بين أصابعه وقتال الملائكة معه يوم بدر، وما جرى لأتباعه من الكرامات التي هي دليل على نبوته e وغير ذلك كثير.

انظر:دلائل النبوة للفريابي،ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني،ودلائل النبوة للبيهقي،والشفا للقاضي عياض،والوفا لابن الجوزي،والشمائل لابن كثير،والخصائص الكبرى للسيوطي وغيرها .

إنكار المعجزات

نقل عن بعض المتأخرين انكار المعجزات الحسية والزعم بأن معجزته e خاصة في القرآن،

الرد عليهم:

إن هذا القول يفضي إلى إنكار السنة والطعن فيها، وهذا سبيل إلى إنكار أحكام الشريعة وتفاصيل الأحكام، إذ من روى لنا هذه المعجزات، هو الذي روى لنا الأحكام، لاسيما مع ما عُلم من اهتمام العلماء الأجلاء في تدقيق النصوص وتمحيصها، والحكم على الأسانيد، وكثير منها قد تواتر نقله

وقد نص على تواترها عدد من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – حيث قال: "ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة كنبع الماء من أصابعه، وتكثير الطعام، وحنين الجذع ونحو ذلك فإن كلا من ذلك تواترت به الأخبار، واستفاضت ونقلته الأمة جيلاً بعد جيل، وخلفاً عن سلف فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه الآيات منقولة مشهورة مستفيضة فيها"ا.هـ

الجواب الصحيح (4 /227) وانظر(6 /673-673)

ونصَّ على تواترها – أيضاً – ابن حجر حيث قال – رحمه الله –: "ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده e من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بجود حاتم، وشجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الآحاد مع أن كثيراً من المعجزات النبوية قد اشتهر وانتشر ورواه العدد الكثير، والجم الغفير وأفاد الكثيرمن القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار .. بل لو ادعى مدعٍ أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظري لما كان مستبعداً.." ا.هـ.

فتح الباري (6/673-674)،

وانظر الرد عليهم مفصلاً في كتاب القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون "بكامله للشيخ مصطفى حبري.

ثانياً: إثبات نبوته e من خلال النظر في أحواله e وصفاته قبل البعثة وبعدها:

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ)

سورة يونس:15-17

وجه الدلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم

وفي هذه الآيات إثبات النبوة من عدة أوجه:

الوجه الأول:

 أنه عليه الصلاة والسلام جاء بالآيات البينات والعلامات الواضحات، التي لا يمتري فيها إلا معاند مكابر.

الوجه الثاني:

أن هذا القرآن هو من عند الله والأدلة على ذلك:

1- أن النبي e أخبر بذلك وهو الصادق الأمين الذي لم يؤثر عنه كذبه، وما كان يلقب إلا بالصادق، فهل يليق به أن يكذب على الله.

2- أن هذا القرآن لو كان من عنده لكان الأولى به أن ينسبه لنفسه.

الوجه الثالث:

نشأته في قوم أميين، وهو أمي أيضاً لا يعرف الكتابة ولا القراءة ثم مكث على هذا الحال أربعين سنة، ثم جاء بهذا الوحي وهذا العلم وهذا قاطع بصحة نبوته وصدقه.

الوجه الرابع:

أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن قبل بعثته طالباً لشيء من هذه العلوم، ولا متردداً على أحد مما ينسب إليه العلم، وهذا معروف عند جميع أهل مكة .

الوجه الخامس:

أنه e تحمل في سبيل تبليغ دعوة الله الكثير من الصعاب، والمحن، فلم يغيره هذا عن منهجه وبقي ثابتاً، حتى أظهر الله دينه، ولو كان كاذباً لظهر فشله، وخذلانه.

الوجه السادس:

أن أخلاقه وصفاته، معروفة قبل البعثة، فلم يؤثر عنه قبيح قط، بل هو الصادق الأمين، فكيف يلتبس أمره بأمر السحرة، والكهنة، الذين هم من أخبث الناس سيرةً، وأرذلهم أخلاقاً () :

   انظر إيثار الحق على الحلق، ص235-241.

وعن عبدالله بن عمر – رضي الله عنه – عن رسول الله e أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله e الوحي فقدم إلى رسول الله e سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل ما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكر اسم الله عليه"

 رواه أحمد في مسنده (7/196-197) ط، دار العارف، قال الشيخ أحمد شاكر: "إسناد صحيح" ا.هـ (7/196)، ورواه أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنه (3/116-117).

ثالثاً: إثبات نبوته e من خلال ما أخبر به من قصص الأنبياء وأخبار السابقين:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) (يونس:71)

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) (يونس:74)

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) (يونس:75)

وغيرها من الآيات التي اشتملت على قصص الأنبياء مما بيّن الله أخبارهم وغيرهم كأصحاب الكهف، ومريم عليها السلام، والخضر عليه السلام، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ...

وسيأتي بيان _إن شاء الله-أن رسول الله e لم يتعلم هذا من أهل الكتاب، بل كل ما عندهم في هذا محرف، وفيه نسبة أعمال لا تليق بالأنبياء من محض افتراءاتهم على أنبياء الله.

فلو لم يكن محمد e نبياً مؤيداً من عند الله ..هل كان يستطيع أن يأتي بمثل هذه القصص، وهو الأمي الذي لم يتعلم قط؟!.

رابعاً: إثبات نبوته e بإثبات وجود جنس الأنبياء ابتداء:

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )سورة يونس47

وقوله تعالى:

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا )النساء:163

(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً. فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً.فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبا)سورة المزمل الآيات 15-17

وجه دلالة الآيات على إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم

أولا:إن قصص هؤلاء الأنبياء معروفة، وآثارهم قائمة، وكثيرون من أهل الكتاب يؤمنون بنبوة الأنبياء قبل محمد e وهؤلاء الرسل جميعاً من جنس واحد..

ثانياً: أن نبوته e أوضح ممن قبله كما سبق البيان.

ثالثاً: أن إنكار نبوته يؤدي إلى إنكار نبوة من سبقه من الأنبياء لأن العلم بهم إنما كان عن طريقه.

رابعاً: أنه قد علم اتفاق الأنبياء فيما يدعون إليه، من غير تواطؤ ؛ ولهذا قال ورقة بن نوفل عندما جاءته خديجة رضي الله عنها وأرضاها وذكرت لـه قصة رسول الله e عند بدء نزول الوحي عليه فقال: ".. هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله e : "أو مخرجي هم"؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً . الحديث () .

فإذا علم ذلك ثبتت نبوته e ولهذا أسلم مشركواالعرب، لما ظهر من دلائل صدقه عليه الصلاة والسلام .

خامساً: من الأدلة على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم، بعثته في زمن كان الناس بأشد الحاجة إلى رسول:
ومن يتأمل حال المجتمع الجاهلي آنذاك، يعلم علماً يقيناً أن الناس كانوا بأمس الحاجة إلى من يهديهم ويبصرهم سواء السبيل حيث كانت عبادة الأوثان والأحجار، والنار، والكواكب

الأدلة على ذلك:

(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )يونس18

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ )الجمعة2

سادساً: البشارة بنبوة محمد e في الكتب السابقة:

قال الله تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)

سورة الأعراف:157

(وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)سورة يونس:93-94

وفي هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى البشارة بنبوة محمد e عند أهل الكتاب، وهم يعرفون ذلك ويقرّبه المنصفون منهم.

قال ابن جرير – رحمه الله – عند تفسير هذه الآية:

"فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما أخبرناك وأُنزل إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولاً إلى خلقه، لأنهم يجدونك عندهم مكتوباً ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل" ا.هـ

 جامع البيان (11/167).

وقال ابن كثير – رحمه الله – عند تفسير هذه الآية: "وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم – صلى الله عليه وسلم– موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب»

تفسير ابن كثير(3/ 529)

وفي إسلام كثير من الأحبار والرهبان، دليل على صدق نبوته إذا قد أيقنوا بصدقه، وصحة ما جاء به..

ومن ذلك قصة إسلام عبدالله بن سلام  في صحيح البخاري

ومن النصوص الصريحة على البشارة بنبوته e في كتبهم على الرغم من تحريفهم لها وكتمانهم للحق الذي فيها، وهذا يتضح من خلال ما كتب عن علمائهم الذين أسلموا حيث إنهم عرفوا النبي e بصفته واسمه الصريح، مما لا يوجد في كتبهم المتوافرة الآن.

قال أبو نعيم () في الدلائل: "ونعوته وصفاته في الكتب المنزلة، وعند الرهابنة والأساقفة والأحبار من أهل الكتابين مستفيض، وكانوا يرجعون في أمر بعثته وإرساله إلى علم متيقن كتبشير الأنبياء في أمر بعثته وإرساله، وإيصائهم أمتهم بتصديقه إن أدركته وما كانت في أيديهم من الكتب والعهود المتقدمة المتواترة عن آبائهم" ا.هـ

دلائل النبوة (1 / 89)

الأدلة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب أهل الكتاب

ومما يثبت ذكره e في كتبهم:

1- إن كثيراً من أنبياء بني إسرائيل كعيسى وإشعيا ودانيال، وغيرهم قد أخبروا عن حوادث صغيرة كحوادث أرض آدوم ومصر نينوى، وحادثة بخت نصر، وغيرها، وهم إذا ذكروا مثل هذه الحوادث الصغيرة، فهل يعقل ألا يذكروا خروج محمد e وهو النبي العظيم الذي أحيا الله عز وجل على يديه أمماً

كانوا أشبه بالبهائم الضّالة فأصبحوا قادة وعظماء ؟!

- أن أهل الكتاب عند ترجمتهم لنص ما يعمدون إلى الاسم فيترجمونه، ويضعون مكانه معناه، وهذا يوهم ويوقع في لبس شديد، والأمثلة على ذلك من كتبهم كثيرة ، وكذلك فعلوا في اسم النبي e .

3- أنهم أخذوا أكثر عقائدهم من بولس النصراني، وهم يعتمدون عليه في أقوالهم ويعدونه أحد الحواريين، وهو عند معاشر المسلمين رجل مخادع، غَيَّر دين الله، ودعا إلى التثليث، فأقواله عندنا مردودة.

 انظر في الرد عليهم  إظهار الحق لرحمت الله الهندي(4 /  1000-1115)

ومن النصوص التي وردت في كتبهم ما يلي:

عند اليهود: الأول: ما جاء في سفر التثنية، الإصحاح الثالث والثلاثون.

2- (جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم ).

ومعنى "مجيء الله من طور سيناء إنزاله التوراة على موسى من طور سيناء ..

وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح.

وكان المسيح من ساعير – أرض الخليل بقرية

تدعى "الناصرة" وباسمها سمي من اتبعه نصارى" ، وأما استعلانه من جبال فاران فالمراد به إنزال القرآن على محمد e في جبال فاران، وهي مكة، وهذا ما يعتقده المسلمون وأهل الكتاب بلا خلاف في ذلك.

انظر الجواب الصحيح ( 2 / 300)

وإثبات ذلك أيضاً ما جاء في سفر التكوين الإصحاح الحادي والثلاثين عند ذكر قصة إسماعيل عليه السلام.الفقرة (20-21).

«20- وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. 21- وسكن في برية فاران، وأخذت له أمّه زوجة من أرض مصر» () .

ومعلوم قطعاً بأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام نشأ في مكة، وهذا دليل واضح لا يستطيع أهل الكتاب رده.

وأما الاستعلاء فهو بمعنى الظهور، والارتفاع مأخوذ من علا يعلو علواً () . والله عز وجل قد أظهر دين الإسلام، ومكنّ لنبيه من العلو والرفعة ما لم يحصل لنبي قبله.

ومن هنا فتكون الإشارة بالتلألؤ من فاران، يعني ظهور نبي من ولد إسماعيل في (فاران) جبل في مكة ()   الجواب الصحيح (2/300)، وانظر نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – في الكتاب المقدس ص62-63.

وفي هذا بشارة بنبوة محمد e .

يقول ابن كثير – رحمه الله – : "واستعلى أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد e .

فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي .. ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولاً، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه..»

الشمائل ص347

الثاني: ما جاء في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر
" 17- قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا. 18- أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. 19- ويكون إن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. 20- وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه إن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى يموت ذلك النبي. 21- وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب. 22- فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه«

سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرة 17-22.

 والنص السابق فيه دلالة على أن النبي الآتي هو مثل موسى – عليه السلام – ولم يأت في بني إسرائيل نبي مثل موسى () والنص على ذلك في سفر التثنية في الإصحاح الرابع والثلاثين ما نصه "10- ولم يقم نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه. 11- في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها في الأرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه. 12- وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أمام أعين جميع إسرائيلوبهذا يبطل القول: أنها بشارة بيوشع – عليه السلام – أو عيسى – عليه السلام – .

انظر نبوة محمد في الكتاب المقدس، ص50.

الثالثة: في الزبور الخامس والأربعين: "1- فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك لساني قلم كاتب ماهر،
2- أنت أبرع جمالاً من بني البشر.

انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد.
3- تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك.
4- وبجلالك اقتحم، اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون. 6- كرسيك يا الله إلى دهر الدهور.

قضيب استقامة قضيب ملكك. 7- احببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك. 8- كل ثيابك مروعود وسليخه، من قصور العاج سرتك الأوتار. 9- بنات ملوك بين حظايتك، جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير"

ومن الأمور المسلمة عند أهل الكتاب، أن داود عليه السلام، بشّر بنبي يأتي من بعده وذكر أوصافه المتقدمة، وزعم النصارى أنه المسيح عيسى عليه السلام، وهي في الحقيقة والواقع منطبقة على نبينا محمد e () وبيان ذلك ما يلي:

انظر إظهار الحق (4/1144).

أولاً: ما ورد من ذكر صفاته e فقد كان من أحسن الناس وجهاً كما في الصحيحين عن البراء قال: "كان رسول الله e أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً ليس بالطويل البائن ولا بالقصير" () .

وكذلك تقلد السيف فلا أحد تقلد السيف وجاهد بعد داود عليه السلام سوى محمد e وهو الذي تهاوت الأمم تحت قدميه ودخلت في دينه أفواجاً .

وكذلك قولـه: "أحببت البر وأبغضت الإثم" فهذه من صفات رسول الله e .

أيضاً قولـه "بنات الملوك بين حظايتك"، وبالفعل فقد صارت بنات الملوك خادمات للمسلمين وذلك بعد انهيار فارس والروم ومن هؤلاء شهر بانوبنت يزدجركسرى، فارس، فقد كانت تحت الحسن بن علي – رضي الله عنهما.

وهذه الأوصاف كلها لا تنطبق على عيسى عليه السلام كما يزعم النصارى حيث إنه لم يؤمر بالجهاد بل أمر بإغماد السيف،

في إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن عشر:11فقال يسوع البطرس اجعل سيفك في الغمد»

الرابعة: في الإصحاح الرابع والخمسين من كتاب أشعياء ونصها:

"1- ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب.
2- لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أمما ويعمر مدناً ضرباً.

4- لا تخافي لأنك لا تخزين – ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك وعار ترملك لا تذكرينه بعد" () .

والدلالة في النص على عدة أوجه:

الوجه الأول: قولـه "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد"، والعاقر هي مكة المكرمة، وليست (أورشليم) على زعم أهل الكتاب، لأن مكة لم يظهر فيها نبي من بعد إسماعيل – عليه السلام – بخلاف أورشليم التي ظهر فيها عدة أنبياء، وتشبيه مكة بالمرأة العاقر وهي التي لم يولد لها لهذا السبب .

الوجه الثاني: قولـه "لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل".

فأهل الكتاب يطلقون لفظ بني المستوحشة على أولاد هاجر – عليها السلام – لأنها سكنت في البر  وأخرجت، أما ذات البعل فيقصدون بها سارة عليها السلام.

وهذا النص وجد في كتبهم كما هو في سفر التكوين الإصحاح السادس عشر.

"11- وقال لها ملاك الرب هاأنت حبلى فتلدين ابناً، وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. 12- وأنه يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن"() .

فهذا خطاب لمكة المكرمة، بأنها ستحوذ على الفضيلة، والشرف، وسيكون خروج خاتم النبيين منها ()

. وفي طبعات أخرى جاء بدل لفظ (المعزي) لفظ (فار قليط)().

وجميع هذه النصوص تبشر برسول يأتي من بعد المسيح.

 انظر إظهار الحق (4/1185) أما الطبعة التي اعتمدت على النقل منها فكان اللفظ (المعزي) وهذا يعود إلى ما سبق بيانه من ترجمة النصارى للأسماء

 انظر الإعلام للقرطبي (3/278-279)، والجواب الصحيح (3/327)، وإظهار الحق (4/1160)، وانظر نبوة محمد في الكتاب المقدس، ص77.

  انظر إظهار الحق (4/1160-1161).

الخامسة  : ما جاء في إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر
(
15- إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي. 16- وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. 17- روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم" .

وفي الإصحاح الخامس عشر "26- ومتى جاء المعزي الذي سأُرسِله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب فهو يشهد لي. 27- وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء" () .

وفي الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا "26- وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" () ()   وهذه من بشارات العهد الجديد والمراد به الأناجيل الأربعة (متى – مرقس – ولوقا – ويوحنا)

والأسفار الملحقة بها أما ما سبق فهو من العهد القديم عند أهل الكتاب (التوراة) وأسفار الأنبياء.

والأدلة على صحة هذا ما يلي:

1- أن روح القدس لم تنزل على الأنبياء قبل المسيح وبعده، وهذه الصفات لا تنطبق عليها، ولم تسم بهذا الاسم، كما أنَّ ما بشر به المسيح أمر عظيم.

2- أن قولـه: "فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد" فكلمة (آخر) تدل على أن هناك آخراً قد سبقه مثله، وهذه الصفات تنطبق على رجل مشاهد للعيان، وليست روحاً لا ترى.

كما أن قولـه "ليمكث معكم إلى الأبد" معلوم أنه لم يرد ذاته، بل هذا ينطبق على من يبقى ويدوم وتكون رسالته خاتمة الشرائع.

3- قولـه: "إن لم أنطلق لا يأتيكم" وهذا يدل على أنه لا يأتي إلا بعد المسيح عيسى – عليه السلام – وهذا يبطل قول من قال: إنه المسيح نفسه.

4- قولـه: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية" والرسول محمد e قد وبخ العالم على الخطيئة من كفر وشرك وعصيان، وأنكر التثليث، ودعا إلى التوحيد، وبيّن ما لله عز وجل من أسماء وصفات تليق بذاته، لا كما يقول أهل الكتاب، وبيّن ما يجب له من أنواع العبادة وفصَّلَ أمور الآخرة، بشكل لم يسبق إليه نبي قبله.

5- قولـه: "فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء".

- أما ما جاء في معنى (الفار قليط) و(المعزي) فجميع المصادر فسرته بأن معناه يدور حول الحمد فقال القرطبي – رحمه الله – (البار قليط) بالرومية: هو محمد بالعربية ا.هـ  .

وقيل هو الحامد والحماد وهو أحمد، وهو محمد وكلها مشتقة من الحمد () لأن "اسم أحمد .. ينطق "بيركليت" في اللغة العبرانية "بيركليتوس" في اللغة اليونانية، والمسيح عليه السلام نطق اسم أحمد e بالعبرانية واليونانية" () ، فحولت إلى فار قليط، وقيل معناه: المخلص وادعى النصارى أن اللفظ اليوناني هو "باراكلي طوس" ومعناه: المعزي، والوكيل المعين، وهي على كلا المعنيين دليل على الإشارة بنبوة نبينا محمد e فعلى الأول: معناها محمد وأمته الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء.

وعلى المعنى الثاني:هو المعز الذي أعز الله به أهل التوحيد والإيمان، وهو المخلص الذي جاء بشريعة الهدى والاستقامة، فخلص الناس من ربقة الشرك والعبودية لغير الله.

انظر:نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – في الكتاب المقدس، ص98.

 الجواب الصحيح (4/16) وإظهار الحق (4/1190). ()   للاستزادة انظر كتاب الإعلام، للقرطبي، (3/263-280)، والجواب الصحيح
(3/275-332)، (4/3-21)، وإظهار الحق (4/1116-1185

المبحث الثاني: عموم رسالة محمد e :
إن عموم رسالة نبينا محمد e من الأمور المتفق عليها في عقيدة المسلمين، بل "كونه مبعوثاً إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة" () فهو عليه الصلاة والسلام رسول إلى كافة الإنس والجن

وفي الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله e أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به،  إلا كان من أصحاب النار"

قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : "يجب على الإنسان أن يعلم أن الله عز وجل أرسل محمداً e إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته .. وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم، لم يخالف أحد، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك.."ا.هـ () .

 مجموع الفتاوى (19/9-10).

ولا ينافي عموم الرسالة، كون القرآن أُنزل بلغة العرب للأسباب التالية:

أولاً: أنَّ جميع الكتب السابقة أنزلت باللسان الذي ينطق به النبي المرسل «وإن قيل: إنها خاصة»، فنقول نزول القرآن بلغة العرب ليتم فهمه من قبلهم أولاً، ثم يمكن نقله إلى الأقوام الآخرين، إما عن طريق الترجمة، وإما بأن يتعلموا ذلك اللسان، وهذا مقدور عليه وليس تكليفاً لما لا يطاق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : "والقرآن تجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق العلماء" ا.هـ  .

ثانياً: أنَّ فهم كل آية من القرآن ليس واجباً على كل مسلم، وإنما يجب معرفة ما أمره الله به ليفعله، ومعرفة ما نهاه ليجتنبه بأي لغة كانت.

ثالثاً: أن العجم من يهود ونصارى ومشركين فيهم من يعرف اللسان العربي ويتقنه وإن لم يكن عربياً .

  انظرالجواب الصحيح (1/190).

شبه منكري الوحي

إن من أخطر الوسائل للكيد للإسلام، وأهله، إنما يكمن في محاولة التشكيك في نبوة محمد e ، ولهذا كان هذا هو سبيل المشركين في السابق، وهو هدف المستشرقين وأذنابهم في الحاضر، وهم يحاولون بشتى الوسائل إثارة الشبه بين المسلمين في مصادر الوحي، ولاشك أن القرآن الكريم قد تصدى لكثير من شبههم وفندها، وقد أورد كثير من الشبهات التي أثارها المشركون، لرد رسالة محمد e وأستطيع القول: أن المحور الأساسي في جميع هذه الشبه هو دعواهم: "إن الوحي أمر نابع من نفس محمد e وفعله"، وبناء عليه تعددت شبههم وأقوالهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت وأجملها فيما يلي:

الشبهة الأولى: الدعوى بأنه e ساحر.

الشبهة الثانية: الزعم بأن ظاهرة الوحي نابعة من محمد e وتصوراته.

الشبهة الثالثة: دعوى الأخذ من الديانات السابقة كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، والوثنية ..

الشبهة الرابعة: الزعم بأن ظاهرة الوحي ما هي إلا نتيجة لحالات عصبية مرضية، تعتري النبي e

الشبهة الخامسة: الزعم بأن محمداً e كان شاكاً في الوحي.

......

الشبهة الثالثة: دعوى الأخذ من الديانات السابقة كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، والوثنية ..

يقول جولد تسهر: "لقد أفاد – يقصد النبي e - من تاريخ العهد القديم، وكان ذلك في أكثر الأحيان عن طريق قصص الأنبياء، ليذكّر على سبيل الإنذار والتمثيل بمصير الأمم السالفة، الذين سخروا من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم ووقفوا في طريقهم" () ا.هـ.

ويقول أيضاً: "لقد كان فيما مضى يعترف بأن الصوامع والبيع والصلوات تعتبر أمكنة عبادة حقيقية .. لكن الأمر تغير بعد هذا، كما صار رهبان المسيحيين وأحبار اليهود موضع مهاجمة منه، وقد كانوا في الواقع أساتذة له .." ا.هـ.

يهدفون في هذا إلى أمرين:

أحدهما: محاولة إثبات أن الإسلام ليس ديناً مستقلاً، وإنما هو مزيج من اليهودية، والنصرانية، وأن محمداً e لم يكن ليهتدي إلى هذا بفطرته، وهذا لا يكاد يغفله مستشرق تناول الحديث عن الإسلام () .

الثاني: الدعوة إلى النصرانية، وأنها الديانة السماوية الصحيحة.

  انظر الوحي المحمدي، د. عبدالجليل شلبي، ص199.

ابطال هذه الشبهة

رد هذه الشبهة يرتكز على دعامتين:

الأولى: نفي أن يكون e أخذ من علوم أهل الكتاب.

الثانية: بعد تقرير ذلك، يقارن بين ما جاء به محمد e من الوحي وبين ما عند أهل الكتاب من التكذيب والتحريف

نفي أن يكون صلى الله عليه وسلم أخذ من أهل الكتاب من عشرين دليلا

انظر تفنيد الشبه من (ص79 -117)

وجميع هذه الشبهات ما هي إلا محاولة لتشويه صورة الإسلام الناصعة، وهي محاولات واهية، سرعان ما ينطفئ لهيبها، إذا سلطت عليها أضواء الحق.

ختاما أقول:

إن إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  أوضح من الشمس في كبد السماء ،ولاتحتاج جدال لأن إنكارها انكار للربوبية والألوهية وانكار للكتب والشرائع السابقة، وماظهور هذه الشواذ التي تنال من مقامه وتنكر سنته إلا انتكاسة للفطرة ،وعمى للبصيرة ..

فهلا تأملتم بعين بصيرة...وراجعتم التاريخ في نعت أحمد

فإن رسول الله كالشمس والبدر

لذا أوصي في ختام هذا البحث بمايلي:

-تفعيل دور وسائل الإعلام في إبراز مكانته صلى الله عليه وسلم والعمل المؤسسي على تخصيص قنوات وبرامج ومشاريع علمية في تأصيل الإيمان عموما والإيمان بنبوته خصوصا ومايلحق بذلك من تعظيم السنة ,

_تأليف مناهج دراسية في السيرة النبويةالزامية لجميع المراحل من الروضة إلى الثانوي.

_اعداد مسابقات على مستوى عالمي برعاية مؤسسات خاصة بالسنةفي عدة مجالات تشمل:

التأليف ، تحقيق الكتب ، حفظ الكتب الستة،

وترصد لها مبالغ كبيرة .

-المطالبة بتنفيذ العقوبة الصارمة على كل من تطاول على مقام النبوة ،أو تنقص السنة

هذا وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل هذه الرسالة وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن تكون سبباً في رد كل من أعرض عن هديه وسنته e من أمته ،وسبباً في الإيمان برسالته والدخول في الإسلام لكل من اطلع عليها من أهل الكتاب،وممن استهانوا بهذا النبي العظيم، إنه سميع مجيب، كما أسأله تعالى أن يضاعف الأجر لكل من ساهم في طباعتها وترجمتها ونشرها وتوزيعها وإعادة طباعتها ، وأن يحشره مع النبيين والصديقين، ويذب عن وجهه النار يوم القيامة ويبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه .. آمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لتحميل البحث كاملا /رابط موقع د.قذلة القحطاني

http://www.d-gathla.com

نافذة مؤلفات الكترونية

تمت طباعته باللغتين العربية والإنجليزية بدار طويق للنشر والتوزيع عام1427